
يُعدّ الفُصال العظمي (خشونة المفاصل) أكثر أمراض المفاصل شيوعًا في العالم. ووفقًا للتقديرات يصيب أكثر من 528 مليون شخص، ويُعد أحد الأسباب الرئيسية للألم المزمن، وفقدان القدرة على الحركة، والإعاقة لدى البالغين. وعلى الرغم من تأثيره الكبير في جودة الحياة، لا يوجد حتى اليوم علاج قادر على الشفاء من هذا المرض. وتركّز العلاجات الحالية أساسًا على تخفيف الأعراض وإبطاء تطور المرض.
غير أن فريقًا من الباحثين في جامعة كولورادو بالولايات المتحدة يعمل على تطوير نهج مبتكر قد يُحدث مستقبلًا تحولًا في طريقة علاج الفُصال العظمي. ويتمثل هدفهم في إصلاح الأنسجة المتضررة بدلًا من الاكتفاء بتخفيف الألم.
الفُصال العظمي: مرض يؤدي تدريجيًا إلى تآكل المفاصل
يتمثل الفُصال العظمي في تدهور تدريجي للغضروف، وهو النسيج الذي يغطي نهايات العظام عند مستوى المفاصل. وعندما يتلف هذا الغضروف، تصبح الحركة أكثر صعوبة وإيلامًا. ومع مرور الوقت، قد تمتد الالتهابات والاحتكاك والآفات إلى العظم الموجود أسفل الغضروف.
ويصيب هذا المرض بشكل رئيسي:
- الركبتين؛
- الوركين؛
- اليدين؛
- العمود الفقري.
وتشمل عوامل الخطر الرئيسية:
- التقدم في السن؛
- زيادة الوزن؛
- إصابات المفاصل؛
- بعض الأنشطة المهنية أو الرياضية المتكررة؛
- الاستعدادات الوراثية.
علاجات تخفف الأعراض لكنها لا تُصلح التلف
تعتمد الرعاية العلاجية الحالية على مجموعة من التدابير المتكاملة تشمل:
- ممارسة نشاط بدني مناسب؛
- فقدان الوزن عند وجود زيادة في الوزن؛
- العلاج الطبيعي (التأهيل الحركي)؛
- استخدام المسكنات أو مضادات الالتهاب عند الحاجة؛
- الحقن داخل المفصل في بعض الحالات؛
- الجراحة مع تركيب مفصل اصطناعي عندما تصبح الأضرار شديدة.
وتُحسن هذه العلاجات الأعراض لكنها لا تسمح بإعادة بناء الغضروف المتضرر.
حقنة تحفّز إصلاح المفاصل
يطوّر الباحثون الأمريكيون استراتيجية أولى تعتمد على حقن مباشر داخل المفصل، وتحتوي هذه الحقنة على دواء مغلف داخل جزيئات متناهية الصغر قادرة على إطلاق محتواها تدريجيًا على مدى عدة أشهر. والهدف من ذلك هو التأثير طويل الأمد في الآليات المسؤولة عن تدمير الغضروف، مع تحفيز عمليات الإصلاح الطبيعية في الجسم.
وخلال الدراسات التي أُجريت على الحيوانات لاحظ الباحثون تحسنًا ملحوظًا في المفاصل المصابة بالفُصال العظمي. ووفقًا لنتائجهم اختفت بعض الآفات خلال أربعة إلى ثمانية أسابيع فقط.
ومع ذلك لا تزال هذه النتائج مقتصرة على النماذج التجريبية، ويجب تأكيدها لدى الإنسان.
مادة حيوية قادرة على إعادة بناء الغضروف والعظم
تستهدف المقاربة الثانية الأشكال الأكثر شدة من المرض، ويستخدم العلماء مادة حيوية قابلة للحقن تُوضع مباشرة في المناطق التي تعرض فيها الغضروف والعظم لتلف شديد، وبعد الحقن تتصلب هذه المادة تدريجيًا، لتعمل كدعامة للخلايا المسؤولة عن الإصلاح في الجسم، مما يعزز إعادة بناء أنسجة المفصل.
ويفيد الباحثون بأنهم تمكنوا لدى الحيوانات، من تحقيق إصلاح كامل لآفات الغضروف والعظم في المناطق المعالجة، وهو إنجاز يُعد مشجعًا للغاية في مجال الطب التجديدي.
تقدم واعد لكنه لا يزال في المرحلة التجريبية
يرى العديد من المتخصصين أن هذه الأعمال البحثية تعكس سرعة التقدم المحقق في هذا المجال، ففي غضون عامين فقط، انتقل الفريق البحثي من فكرة مبتكرة إلى تطوير علاجات قادرة على عكس آفات الفُصال العظمي لدى الحيوانات.
ويتمثل الهدف الطموح في عدم الاكتفاء بإبطاء تطور المرض أو تقليل الألم، بل إصلاح المفاصل بما يسمح بالقضاء على المرض بصورة مستدامة.
ما تزال التجارب السريرية على الإنسان ضرورية
على الرغم من الحماس الذي أثارته هذه النتائج من المهم التذكير بأن هذه العلاجات لم تُختبر بعد على الإنسان، ويقدّر الباحثون أن أولى التجارب السريرية قد تبدأ خلال نحو 18 شهرًا، شريطة أن تستمر الدراسات ما قبل السريرية في تأكيد فعاليتها وسلامتها، وقبل طرحها المحتمل في الأسواق، ستكون هناك حاجة إلى عدة مراحل من التقييم للتحقق من:
- سلامتها؛
- فعاليتها الحقيقية لدى المرضى؛
- مدة استمرار فوائدها؛
- آثارها الجانبية المحتملة.
ولذلك من المرجح أن تمر عدة سنوات قبل أن يصبح هذا النوع من العلاج متاحًا في الممارسة الطبية الروتينية.
التوصيات الطبية في الوقت الحالي
في غياب علاج شافٍ معتمد يذكّر الأطباء بأن هناك إجراءات تساعد على إبطاء تطور الفُصال العظمي والحفاظ على القدرة على الحركة منها:
- ممارسة نشاط بدني منتظم ومناسب، مثل المشي أو ركوب الدراجة أو السباحة؛
- تقوية العضلات الداعمة للمفاصل من خلال تمارين تحت إشراف مختص؛
- الحفاظ على وزن صحي لتقليل الضغط الواقع على المفاصل؛
- استشارة الطبيب سريعًا عند استمرار الألم أو حدوث تراجع ملحوظ في القدرة على الحركة؛
- تجنب الاستخدام المطول لمضادات الالتهاب دون استشارة طبية؛
- الالتزام بتوصيات الطبيب بشأن العلاج، أو إعادة التأهيل، أو الحقن داخل المفصل عندما تكون ضرورية.
بارقة أمل
تعكس هذه المقاربات الجديدة التقدم السريع الذي يشهده مجال الطب التجديدي. وإذا تأكدت النتائج التي تحققت لدى الحيوانات خلال التجارب السريرية المستقبلية، فقد تُحدث تحولًا جذريًا في علاج الفُصال العظمي، من خلال إصلاح أنسجة المفاصل بدلًا من الاكتفاء بتخفيف الأعراض.
وفي الوقت الراهن لا تزال هذه العلاجات في المرحلة التجريبية، ولا تُعد بديلًا عن العلاجات الموصى بها حاليًا. ومع ذلك فإنها تمثل مسارًا واعدًا للغاية لملايين الأشخاص المصابين بهذا المرض حول العالم.
الكلمات المفتاحية: الفُصال العظمي، الحقن، الغضروف، التجديد، المفصل، الألم، العلاج، المادة الحيوية، البحث العلمي، التجارب السريرية، الطب التجديدي، جامعة كولورادو.
اقرأ أيضاً: