صحة جيدة لحياة أفضل

الأمراض المعدية: هل يمكن أن يزيد التاريخ الفيروسي من خطر الإصابة بمرض باركنسون أو ألزهايمر؟

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
12 أكتوبر 2025

وماذا لو كانت بعض العدوى الشائعة تترك آثاراً أعمق بكثير مما نعتقد؟ وفقاً لدراسة دولية واسعة نُشرت في مجلة Neuron، فإن الإصابة بعدوى خطيرة قد تؤدي بعد سنوات إلى زيادة خطر الإصابة بمرضٍ تنكّسي عصبي مثل ألزهايمر أو باركنسون.

حدّد الباحثون ارتباطاً قوياً بين عدة أنواع من العدوى الفيروسية وبين زيادة خطر الإصابة باضطرابات عصبية. وتدعو نتائجهم إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الجهاز المناعي والالتهاب وتدهور الدماغ.

يشير مصطلح الأمراض التنكسية العصبية إلى مجموعة من الاضطرابات التي تُدمّر تدريجياً الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي. وفي الجزائر يعيش المئات من الأشخاص مع أمراض مثل ألزهايمر وباركنسون والتصلب المتعدد.

ورغم أن هذه الأمراض تصيب غالباً كبار السن فإن بعض الشباب البالغين يُصابون بها أيضاً. وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن عدد الحالات قد يتضاعف بحلول عام 2050، مما يجعل هذه الأمراض تحدياً طبياً واجتماعياً واقتصادياً حقيقياً.

قاد الدراسة ”مايكل نالز وأندرو سينغلتون” وشملت ما يقارب 500 ألف شخص. ومن خلال تحليل بياناتهم الصحية على مدى عقود، كشف الباحثون 22 ارتباطاً معنوياً بين بعض أنواع العدوى وظهور أمراض عصبية لاحقاً. والنتائج كانت مذهلة:

  • الأشخاص الذين أصيبوا بالتهاب دماغي فيروسي كانوا أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر بـ31 مرة.
  • المرضى الذين أُدخلوا إلى المستشفى بسبب إصابتهم بالإنفلونزا المصحوبة بالتهاب رئوي تزداد لديهم احتمالية الإصابة بالخرف أو بمرض باركنسون أو بالتصلب الجانبي الضموري .

 والأمر الذي لفت الانتباه أكثر هو أن هذه التأثيرات قد تظهر حتى بعد 15 عاماً من العدوى الأصلية.

كما أن قرابة 80٪ من الفيروسات المعنية تُعرف بأنها عصبية التوجّه أي قادرة على اختراق الدماغ والتسبب في التهاب مزمن داخله. وهذه الاستجابة رغم أنها تهدف لحماية الجهاز العصبي قد تؤدي بمرور الوقت إلى تلف الخلايا العصبية وبدء عملية تنكس عصبي تدريجي.

لكن الباحثين يشددون على أن دراستهم رصدية فقط فهي تُظهر ترابطات وليس علاقات سببية. لذا لا يمكن الجزم بأن الفيروسات تُسبب هذه الأمراض، بل قد تكون عاملاً محفزاً أو مساهماً في تطورها.

ليست هذه النتائج الأولى من نوعها ففي عام 2022 أظهرت دراسة شملت أكثر من 10 ملايين شخص وجود صلة بين فيروس إبشتاين بار وزيادة احتمال الإصابة بالتصلب المتعدد بمقدار 32 مرة.

كما بينت دراسة نُشرت في BMJ Open وجود علاقة بين فيروس الهربس البسيط من النوع الأول (HSV-1) وزيادة خطر الإصابة بألزهايمر بنسبة 80٪. والأخبار الجيدة أن المرضى الذين تلقوا علاجاً بمضادات الفيروسات انخفض لديهم الخطر بنسبة 17٪، مما يشير إلى دور وقائي محتمل لهذه العلاجات.

وفي جوان 2025 كشفت أبحاث نُشرت في eBioMedicine عن صلة بين عدة اضطرابات دماغية منها التهاب الدماغ وبين ظهور ألزهايمر لاحقاً. حيث أظهر نحو 3200 مريض إصابتهم باعتلال دماغي قبل تشخيص ألزهايمر بأشهر أو سنوات. وهذه الحالات قد تنجم عن إصابة دماغية أو عدوى حادة أو مرض كبدي.

تضيف نتائج هذه الدراسة عنصراً جديداً مهماً إلى فهمنا للأمراض العصبية التنكسية. ويأمل العلماء في المستقبل باستخدام أحدث أدوات علوم البيانات لتحديد عوامل أخرى وفهم كيفية تفاعل الجينات والعدوى والبيئة في تطور هذه الأمراض.

حتى مع غياب دليل قاطع على العلاقة السببية، تؤكد البيانات أهمية الوقاية والعلاج المبكر من العدوى الخطيرة، خاصة لدى كبار السن أو ذوي المناعة الضعيفة:

  • التلقيح: الحماية من الإنفلونزا والالتهاب الرئوي وكوفيد 19 والتهاب الكبد قد تقلل خطر العدوى الشديدة.
  •  النظافة والانتباه: في حال حدوث حمى أو ارتباك أو اضطرابات عصبية بعد عدوى، يجب مراجعة الطبيب فوراً.
  •  المتابعة الطبية المنتظمة: يمكن إجراء فحوص معرفية دورية للأشخاص الذين أصيبوا سابقاً بعدوى دماغية.

الإصابات الخطيرة لا تترك الجسم سليماً دائماً وبعضها قد يُضعف الدماغ على المدى الطويل ويفتح الباب أمام الأمراض العصبية التنكسية، ورغم أن الحذر العلمي لا يزال ضرورياً تذكّر هذه الاكتشافات حقيقة أساسية وهي أن حماية جهازك المناعي تعني أيضاً حماية دماغك.

الكلمات المفتاحية: الصحة؛ الدماغ؛ باركنسون؛ ألزهايمر؛ المناعة؛ الطب.

إقرأ أيضاً: