صحة جيدة لحياة أفضل

العمل في الفضاء المفتوح : لماذا يُرهق دماغنا بشكل أسرع؟ علوم الأعصاب تفسر هذا التعب  

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
10 أغسطس 2026

صُمّم المكتب المفتوح لتعزيز التعاون وتحسين التواصل والاستفادة المثلى من مساحات العمل، وقد أصبح هذا النمط من تنظيم العمل شائعًا في الشركات منذ نحو ثلاثين عامًا، واليوم أصبح أسلوب التنظيم السائد في العديد من قطاعات الخدمات.

الضوضاء والمحادثات والمقاطعات… المكتب المفتوح يضع دماغنا تحت ضغط كبير

لكن خلف صورة المكتب العصري والديناميكي تكشف أبحاث علوم الأعصاب والصحة المهنية عن واقع أكثر تعقيدًا، فالمحادثات المستمرة ورنين الهواتف وحركة الزملاء والمثيرات البصرية المتعددة تجبر الدماغ على تصفية المعلومات غير الضرورية بشكل متواصل، وهذا العمل غير المرئي يستهلك قدرًا كبيرًا من الموارد المعرفية ويسهم في حدوث إرهاق ذهني تدريجي، ووفقًا للمتخصصين يعمل اليوم نحو موظف جزائري واحد من بين كل اثنين في مكتب مشترك، ويثير هذا التطور تساؤلات جديدة حول تأثير بيئة العمل على التركيز والرفاه النفسي والأداء المعرفي.

في المكتب الفردي تظل البيئة المحيطة مستقرة نسبيًا، وتكون مصادر التشتيت محدودة مما يسمح للدماغ بتخصيص قدر أكبر من موارده للمهمة التي يقوم بها، أما في المكتب المفتوح فالوضع مختلف تمامًا، ففي كل لحظة يواجه الدماغ عددًا كبيرًا من المثيرات:

  • محادثات بين الزملاء
  • هواتف ترن
  • إشعارات الحاسوب
  • أصوات لوحات المفاتيح
  • الطابعات
  • حركة مستمرة
  • اجتماعات مرتجلة
  • مرور متكرر خلف شاشة الحاسوب

حتى عندما نعتقد أننا لا نولي هذه الأمور اهتمامًا فإن الدماغ يواصل تحليل جزء من هذه المعلومات، وهذه العملية المستمرة لتصفية المعلومات تمثل جهدًا معرفيًا كبيرًا.

تصف علوم الأعصاب هذه الظاهرة بمصطلح الانتباه الانتقائي، وتسمح هذه الوظيفة للدماغ بالتركيز على معلومة مهمة مع محاولة تجاهل المعلومات الأخرى، لكن هذه القدرة لها حدود، فكلما زاد عدد مصادر التشتيت اضطر الدماغ إلى استهلاك المزيد من الطاقة للحفاظ على مستوى تركيزه، وكل ضوضاء وكل صوت وكل حركة تستدعي لفترة وجيزة شبكات الانتباه قبل أن يتم استبعادها ثم يحل محلها مثير جديد، وهذا التتابع المتواصل يفسر لماذا يمكن أن يبدو يوم العمل في مكتب مفتوح مرهقًا بشكل خاص حتى من دون بذل مجهود بدني كبير.

ليست كل الأصوات تؤثر في الدماغ بالطريقة نفسها، فالمحادثات البشرية تُعد من أكثر مصادر التشتيت صعوبة في تجاهلها، أين يمتلك دماغنا حساسية خاصة تجاه الصوت البشري وهذه الخاصية هي نتيجة للتطور. فقد كان اكتشاف محادثة في الماضي يساعد على تحديد خطر أو حليف أو معلومة أساسية، ولا يزال الدماغ حتى اليوم يمنح الكلام هذه الأولوية، فعندما يحاول الموظف الحفاظ على تركيزه في عمله يواصل دماغه دون وعي تحليل بعض الكلمات ونبرات الصوت والتغيرات في الأصوات، وبعبارة أخرى من شبه المستحيل تجاهل محادثة قريبة بشكل كامل.

تُعرف هذه الظاهرة باسم تأثير حفلة الكوكتيل وقد وصفها الباحث البريطاني كولين شيري منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي تشير إلى قدرة الدماغ على اكتشاف معلومة ذات أهمية تلقائيًا مثل ذكر اسم الشخص وسط بيئة شديدة الضوضاء، وهذه القدرة مفيدة في الحياة اليومية لكنها في المكتب المفتوح تتحول إلى مصدر إزعاج، فكل جزء من محادثة يستحوذ على جزء من انتباهنا حتى عندما لا تكون لدينا أي رغبة في الاستماع، وتؤدي هذه المراقبة المستمرة إلى زيادة الإرهاق المعرفي تدريجيًا.

يشير الحمل المعرفي إلى مقدار الجهد الذهني اللازم لمعالجة المعلومات، فعندما نكتب تقريرًا أو نحلل بيانات أو نجري حسابات أو نتخذ قرارًا معقدًا فإن الذاكرة العاملة تكون أصلًا في حالة استخدام مكثف، وإذا كان على الدماغ في الوقت نفسه التعامل مع مصادر التشتيت المحيطة به فإنه يستهلك المزيد من موارده، ووفقًا للمعهد الوطني للبحث والأمن تُعد الضوضاء عاملًا معروفًا في انخفاض التركيز وتراجع الأداء المعرفي ولا تكمن المشكلة في مستوى الصوت وحده، فطبيعة الأصوات لا تقل أهمية، إذ إن المحادثات التي يمكن فهمها تكون أكثر إزعاجًا وتأثيرًا بكثير من الضوضاء المستمرة مثل صوت نظام التهوية.

لا ينتقل الدماغ بشكل فوري من مهمة إلى أخرى، فمع كل مقاطعة يتعين عليه أن:

  • يوقف النشاط الذي كان يقوم به
  • يتذكر المكان الذي توقف عنده
  • يعالج المعلومة الجديدة
  • يعود بعد ذلك إلى المهمة الأصلية

وتتطلب هذه العملية تشغيل الوظائف التنفيذية الموجودة بشكل أساسي في قشرة الفص الجبهي، ومع تكرار هذه التحولات في الانتباه تزداد حدة التعب الذهني:

  • تصبح الأخطاء أكثر تكرارًا
  • تنخفض جودة العمل
  • يزداد الوقت اللازم لإنجاز المهمة

مع مرور الساعات قد تظهر عدة أعراض:

  • صعوبة في الحفاظ على التركيز
  • الشعور بضغط ذهني زائد
  • سرعة الانفعال
  • الإرهاق الفكري
  • زيادة النسيان
  • انخفاض الدافعية
  • الشعور بأن «الدماغ مشبع» أو لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد
  • الحاجة المتزايدة إلى فترات الراحة

ويرى المتخصصون أن البيئات التي تحتوي على قدر كبير من المحفزات تساهم في زيادة الضغط المعرفي وقد تؤدي إلى تطور إرهاق نفسي مستمر.

كان الهدف الأساسي من المكاتب المفتوحة هو تحسين التعاون، وفي بعض الحالات يتحقق هذا الهدف فعلًا.

  • تصبح التبادلات أسرع
  • يمكن اتخاذ القرارات بسهولة أكبر
  • تساعد التفاعلات العفوية أحيانًا على تعزيز الإبداع

لكن المهام التي تتطلب تركيزًا مستمرًا تصبح أكثر صعوبة، وتُظهر أبحاث غلوريا مارك الأستاذة في جامعة كاليفورنيا في إيرفاين أن المقاطعات المتكررة تزيد مستوى التوتر وضغط الوقت، وتشير أبحاثها إلى أنه بعد حدوث مقاطعة قد يحتاج الشخص إلى عدة عشرات من الدقائق قبل أن يستعيد مستوى تركيزه بشكل كامل، وعندما تتكرر هذه المقاطعات عشرات المرات خلال اليوم فإن تأثيرها على الإنتاجية يصبح ملحوظًا.

لا نتفاعل جميعًا بالطريقة نفسها مع البيئات الصاخبة، وتتدخل عدة عوامل في ذلك:

  • الشخصية
  • مستوى التعب
  • جودة النوم
  • مستوى التوتر
  • العمر
  • طبيعة المهمة التي يتم تنفيذها

وغالبًا ما يشعر الأشخاص الذين يؤدون أعمالًا فكرية معقدة أو الذين يحتاجون إلى تركيز شديد أو الذين لديهم حساسية حسية مرتفعة بتأثيرات الضوضاء بدرجة أكبر، كما قد يواجه الموظفون المصابون باضطرابات الانتباه أو بعض الأشخاص ذوي الأنماط العصبية المختلفة صعوبات أكبر في المساحات شديدة الانفتاح.

أدت الأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كوفيد-19 إلى تغيير عميق في العادات المهنية، فقد اكتشف العديد من الموظفين بيئات أكثر هدوءً في المنزل، وأظهرت هذه التجربة مدى تأثير إطار العمل على القدرة على التركيز، ومن دون المقاطعات المستمرة لاحظ بعض الأشخاص:

  • كفاءة أفضل
  • إرهاقًا ذهنيًا أقل
  • قدرة أطول على التركيز
  • راحة نفسية أفضل

وقد دفعت هذه الملاحظات العديد من الشركات إلى إعادة التفكير في طريقة تنظيم مساحات العمل.

اليوم لم يعد الهدف بالضرورة هو إلغاء المكاتب المفتوحة بل تكييفها بشكل أفضل مع احتياجات الموظفين، وتعمل الشركات تدريجيًا على تطوير:

  • مناطق هادئة مخصصة للتركيز
  • مكاتب فردية يمكن حجزها
  • كبائن عازلة للصوت لإجراء المكالمات
  • مساحات منفصلة للعمل التعاوني
  • مواد تمتص الضوضاء مثل الأسقف الصوتية والألواح الجدارية والسجاد

ويسمح هذا التنظيم بالتناوب بسهولة أكبر بين فترات التبادل والتواصل وبين الأوقات التي تتطلب تركيزًا مستمرًا.

حتى عندما لا يمكن تغيير تنظيم المكان يمكن اتباع عدة استراتيجيات تساعد على الحفاظ على الموارد المعرفية.

تقليل مصادر التشتيت

  • استخدام سماعات عازلة للضوضاء أو سماعات تصدر ضوضاء بيضاء
  • تعطيل الإشعارات غير الضرورية
  • جمع المهام المتشابهة معًا
  • تجنب تعدد المهام

الحفاظ على قدرات الدماغ

  • جدولة المهام المعقدة في الساعات التي يكون فيها مستوى اليقظة أفضل
  • أخذ استراحة قصيرة كل 60 إلى 90 دقيقة
  • ممارسة بعض تمارين التنفس أو الاسترخاء
  • الخروج لبضع دقائق إلى مكان هادئ عندما يكون ذلك ممكنًا

تعزيز بيئة عمل صحية

  • إجراء التبادلات والمحادثات في أماكن مخصصة لذلك
  • احترام المناطق الهادئة
  • الحد من المحادثات الطويلة بالقرب من الزملاء الذين يحتاجون إلى التركيز

يشير خبراء الصحة المهنية إلى أن بيئة العمل الفعالة لا تعتمد فقط على التواصل بين الزملاء، بل يجب أن تتيح أيضًا فترات من التركيز العميق، وتُظهر علوم الأعصاب اليوم أن الدماغ البشري يعمل بشكل أفضل عندما يتمكن من التناوب بفاعلية بين التعاون والعمل في عزلة، وأصبح إنشاء مساحات مرنة تستجيب لهذين الاحتياجين تحديًا رئيسيًا لتحسين جودة الحياة في العمل.

يساعد المكتب المفتوح على تعزيز التفاعلات المهنية لكنه يعرّض الدماغ أيضًا لتتابع مستمر من المحفزات السمعية والبصرية، وللحفاظ على التركيز يضطر الدماغ إلى تصفية هذه المعلومات بشكل متواصل مما يزيد الحمل المعرفي ويسرّع التعب الذهني، وتُظهر الأبحاث أن المحادثات والمقاطعات المتكررة والضوضاء المحيطة يمكن أن تقلل من الأداء وتزيد التوتر وتساهم في حدوث الأخطاء خصوصًا أثناء أداء المهام الفكرية المعقدة، وتبدو مساحات العمل الأكثر مرونة والتي تجمع بين المناطق المخصصة للتعاون والمساحات الهادئة اليوم من أكثر الحلول فعالية لتحقيق التوازن بين الرفاه والصحة المعرفية والإنتاجية.

لماذا يتسبب المكتب المفتوح في إرهاق الدماغ بشكل أكبر؟

لأن الدماغ يضطر إلى تصفية المحادثات والأصوات والحركات المحيطة بشكل مستمر مما يزيد الحمل المعرفي.

لماذا يصعب تجاهل المحادثات؟

الدماغ مبرمج بشكل طبيعي على اكتشاف الكلام البشري، وحتى من دون وعي يواصل تحليل جزء من الأحاديث.

هل الضوضاء هي المسؤولة الوحيدة؟

لا.. فالمقاطعات المتكررة والمحفزات البصرية والتغيير المستمر بين المهام تساهم أيضًا في التعب الذهني.

كيف يمكن تحسين التركيز في المكتب المفتوح؟

يمكن استخدام سماعات عازلة للضوضاء وتنظيم العمل ضمن فترات مخصصة للتركيز والحد من المقاطعات والاستفادة من المساحات الهادئة عندما تكون متاحة.

الكلمات المفتاحية: المكتب المفتوح، التعب الذهني، الدماغ، علوم الأعصاب، الحمل المعرفي، التركيز، الانتباه، الانتباه الانتقائي، تأثير حفلة الكوكتيل، الضوضاء، العمل، الصحة، التوتر المهني، الإنتاجية، المقاطعات، التعب المعرفي، المعهد الوطني للبحث والأمن ، العمل عن بُعد، البيئة.

مقالات في نفس الموضوع