صحة جيدة لحياة أفضل

العمل والصحة النفسية: ضرورة توفير بيئة عمل نفسية اجتماعية سليمة في 2026

حرر : صفاء كوثر بوعريسة | صحفية
15 سبتمبر 2026

لنعمل من أجل بيئة عمل نفسية اجتماعية صحية

في عام 2026 لم تعد الصحة في العمل تقتصر على المخاطر الجسدية الظاهرة فقط، فهناك واقع أكثر انتشارا وأقل وضوحا، لكنه لا يقل خطورة يفرض نفسه اليوم وهو : المخاطر النفسية الاجتماعية. فالتوتر المزمن وعبء العمل الزائد، والتحرش، وانعدام الأمن المهني، كلها عوامل تغذي أزمة صامتة ذات آثار إنسانية واقتصادية كبيرة.

رهان عالمي كبير في مجال الصحة العامة

حسب التقديرات الدولية لمنظمة العمل الدولية، ترتبط أكثر من 840 ألف وفاة سنويا في العالم بهذه العوامل. وترتبط هذه الوفيات أساسا بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكتات الدماغية، والاضطرابات النفسية، من بينها الاكتئاب الشديد والانتحار.

ويضاف إلى ذلك ما يقارب 45 مليون سنة من الحياة الصحية المفقودة سنويا، فضلا عن تكلفة اقتصادية تقدر بـ 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

تشير البيئة النفسية الاجتماعية للعمل إلى مجموع الظروف التي يصمم وينظم ويعاش فيها العمل يوميا ، وهي تقوم على عدة أبعاد:

  • طبيعة العمل: المتطلبات، المسؤوليات، ملاءمة المهارات، معنى المهام.
  • التنظيم والتسيير: عبء العمل، الاستقلالية، وضوح الأدوار، جودة الإدارة.
  • السياسات العامة: شروط التوظيف، وقت العمل، أنظمة التقييم، الوقاية من التحرش.

وتؤثر هذه العناصر مباشرة في الصحة النفسية، والصحة الجسدية، والأداء المهني.

لا تعد العوامل النفسية الاجتماعية مشكلة في حد ذاتها لكنها تصبح كذلك عندما تساء إدارتها أو تتجاوز الحدود المقبولة، ومن أبرز المخاطر المحددة:

  • عبء عمل مفرط
  •  أهداف غير واقعية
  •  ساعات عمل طويلة
  •  غياب فترات الراحة
  •  نقص الاستقلالية
  •  غياب الاعتراف بالجهد
  •  انعدام الأمن الوظيفي
  •  التحرش المعنوي
  •  العنف في مكان العمل
  • اختلال التوازن بين الجهود المبذولة والمكافآت، بما في ذلك الأجر

وتساهم هذه الوضعيات في ظهور توتر مزمن، يعمل كعامل مفاقم للعديد من الأمراض.

تعد آثار بيئة العمل المتدهورة واسعة وموثقة بشكل جيد وتشمل:

  • اضطرابات القلب والأوعية الدموية، مثل ارتفاع ضغط الدم، والجلطات القلبية، والسكتات الدماغية
  • اضطرابات نفسية، مثل القلق، والاكتئاب، والاحتراق المهني
  •  اضطرابات النوم
  •  أمراضا استقلابية
  •  اضطرابات عضلية هيكلية

ويعد الرابط بين ساعات العمل الطويلة وأمراض القلب والأوعية الدموية قويا بشكل خاص، إذ إن العمل لأكثر من 55 ساعة في الأسبوع يزيد بشكل ملحوظ من مخاطر الوفاة.

تزيد التحولات الحديثة في عالم الشغل من حدة هذه الرهانات، ومنها:

  • الرقمنة والاتصال الدائم
  • العمل عن بعد والعزلة
  •  الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية
  •  أشكال جديدة من العمل الهش

وقد تساهم هذه التطورات في تحسين المرونة، لكنها قد تزيد أيضا من الضغوط إذا لم تخضع لتأطير واضح.

تقوم المقاربة الفعالة على وقاية منظمة تشمل عدة مستويات:

  1. على مستوى منصب العمل
  2. تكييف عبء العمل مع القدرات الحقيقية
  3.  توضيح المهام والأهداف
  4.  إعطاء معنى للمهام
  5. على المستوى التنظيمي
  6. تعزيز الاستقلالية والمشاركة
  7. ضمان إدارة إنسانية وداعمة
  8. ضمان الدعم الاجتماعي في مكان العمل
  9.  على المستوى المؤسساتي
  10.  وضع سياسات للوقاية
  11.  تأطير وقت العمل
  12.  مكافحة التحرش بشكل فعال
  13.  ضمان أنظمة عادلة للتقييم والأجور

لحماية صحة العمال بشكل مستدام، تبقى عدة إجراءات ضرورية:

  • الحد من ساعات العمل المفرطة وضمان فترات راحة كافية
  •  تشجيع الانفصال الرقمي خارج أوقات العمل
  • وضع متابعة طبية منتظمة تشمل الصحة النفسية
  •  تكوين المديرين على رصد إشارات الضيق والمعاناة
  •  تعزيز الحوار الاجتماعي بين أصحاب العمل والعمال
  •  ترقية التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية
  • تشجيع النشاط البدني وفترات الاستراحة المنتظمة

وعلى المستوى الفردي، ينصح باستشارة مختص في حال ظهور:

  • تعب مستمر
  • اضطرابات في النوم
  • تهيج أو عصبية
  •  قلق
  •  انخفاض في الدافعية
  •  عزلة

وقد تكون هذه العلامات مؤشرات أولى على الاحتراق المهني.

لا يمكن أن تقوم الوقاية من المخاطر النفسية الاجتماعية فقط على قدرة الأفراد على التكيف بل تتطلب تحولا حقيقيا في طريقة تنظيم العمل، فالعمل المصمم بشكل جيد يحمي الصحة أما العمل السيئ التنظيم قد يضر بها بعمق.

 يمكن أن يكون العمل عاملا للإشباع، والاستقرار، والمعنى، لكنه عندما يكون سيئ التنظيم، يتحول إلى عامل خطر كبير على الصحة، لذا لم يعد التحرك من أجل تحسين البيئة النفسية الاجتماعية للعمل خيارا بل أصبح أولوية في الصحة العامة، ورافعة للأداء الاقتصادي، ومطلبا اجتماعيا، كما أن خلق بيئات عمل صحية يعني حماية العمال اليوم، وبناء مجتمعات أكثر استدامة غدا.

الكلمات المفتاحية: الصحة العمل، المخاطر النفسية الاجتماعية، التوتر المهني، الاحتراق المهني، الصحة النفسية، الوقاية، السلامة، التنظيم، أمراض القلب والأوعية الدموية، جودة الحياة، منظمة العمل الدولية.

مقالات في نفس الموضوع