في وقت تُظهر فيه العديد من المؤشرات تراجعًا في مستوى الشعور بالرفاه في عدة دول، يبدو أن بعض الأشخاص يحافظون على مستوى عالٍ من الرضا. ولا يكمن سرّهم بالضرورة في تغييرات جذرية في نمط الحياة، بل في عادات يومية بسيطة خاصة تلك التي تسبق النوم.
وفي الواقع تلعب الدقائق الثلاثون الأخيرة قبل الخلود إلى النوم دورًا مهمًا في التوازن النفسي وجودة النوم ومزاج اليوم التالي. وتشير ملاحظات مستخلصة من دراسات حول الرفاه إلى أن الأشخاص الأكثر سعادة غالبًا ما يتشاركون مجموعة من الطقوس المسائية التي تعزز الاسترخاء وتنظيم المشاعر.
تراجع في مستوى السعادة رغم رضا عام
وفقًا لتقرير World Happiness Report، تحتل الجزائر مرتبة متوسطة حيث جاءت في المركز 85 عالميًا، في تصنيف تتصدره فنلندا كأكثر دول العالم سعادة. وعلى المستوى الإفريقي تتقدم عليها دول مثل ليبيا وجنوب إفريقيا المصنفتين في المرتبتين 66 و83. كما تتفوق الجزائر على مصر والمغرب وتونس المصنفة خارج المئة الأولى.
ويستند هذا الرضا أساسًا إلى عدة عوامل:
- جودة العلاقات مع المحيط الاجتماعي
- الرضا المهني
- الشعور بالأمان في الحياة اليومية
غير أن الدراسة تكشف أيضًا عن اتجاه مقلق: إذ تراجع الشعور العام بالسعادة عالميًا، في هذا السياق تبدو بعض العادات اليومية عوامل وقائية للرفاه النفسي.
لماذا تؤثر روتينات ما قبل النوم على السعادة؟
تمثل الفترة التي تسبق النوم لحظة حساسة بالنسبة للدماغ، فعندما يبقى الذهن منشغلًا بمشاغل اليوم مثل أخطاء مهنية أو نقاشات صعبة أو قلق يصبح النوم أكثر صعوبة.
ويؤكد مختصو الصحة النفسية أن الأفكار التي تراود الإنسان قبل النوم تؤثر على حالته العاطفية في اليوم التالي. لذلك يعتمد الأشخاص الأكثر هدوءً على طقوس تساعد على تقليل التفكير المفرط وتوفير حالة ذهنية أكثر استقرارًا.
ومن العوامل الأساسية أيضًا استقرار الإيقاع اليومي (الساعة البيولوجية)، حيث يساعد النوم والاستيقاظ في أوقات منتظمة على تحسين التعافي الجسدي واستقرار المزاج.
6 عادات مسائية لدى الأشخاص الأكثر سعادة
- إيقاف الشاشات قبل النوم: الشاشات مثل الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية أو التلفاز تحفّز الدماغ بشكل كبير وتؤخر النوم، وغالبًا ما يستبدل الأشخاص الذين يحافظون على رفاههم هذه اللحظات بأنشطة هادئة مثل:
- القراءة
- الكتابة في دفتر شخصي
- محادثة هادئة مع شخص مقرب
هذا الانتقال اللطيف يساعد الدماغ على تخفيف نشاطه تدريجيًا.
- الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة: يعد انتظام النوم من أهم العوامل للصحة النفسية، فالخلود إلى النوم والاستيقاظ في أوقات متشابهة يوميًا، حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع يساعد على تثبيت الساعة البيولوجية، ويحسن جودة النوم العميق ويعزز التعافي الجسدي والمعرفي.
- ترتيب الأفكار قبل النوم: يخصص الأشخاص الأكثر هدوءً بضع دقائق للتخلص من ضغوط اليوم، كما أن البعض يدوّن أفكاره في دفتر، بينما يفضل آخرون التأمل الصامت. هذه الممارسة تقلل من التفكير المفرط وتمنع سيطرة القلق على آخر لحظات اليوم.
- استحضار لحظة إيجابية من اليوم: عادة أخرى تتمثل في تذكر حدث لطيف، حتى لو كان بسيطًا:
- حديث ممتع
- لحظة هدوء
- إنجاز شخصي
هذا التمرين يعيد تشكيل إدراك اليوم بشكل إيجابي ويُكسب نهاية اليوم شعورًا بالرضا.
- ممارسة الامتنان: يُعدّ الامتنان من ركائز علم النفس الإيجابي، فالأشخاص الأكثر سعادة غالبًا ما يخصصون وقتًا للاعتراف بما يمنحهم شعورًا جيدًا.
ويمكن أن يتجلى ذلك في:
- كتابة ثلاث أشياء إيجابية يوميًا
- التعبير عن الشكر لشخص مقرب
- التفكير في الجوانب الإيجابية لليوم
ومع المداومة تدعم هذه العادة نظرة أكثر إيجابية للحياة.
- تقبّل بضع دقائق من الملل: في مجتمع تهيمن عليه المثيرات الرقمية، يصبح تقبّل الملل مفيدًا بشكل مفاجئ، لذا فبضع دقائق دون هاتف أو تلفاز أو نشاط محدد تسمح للعقل بالهدوء والدخول تدريجيًا في حالة مناسبة للنوم.
توصيات طبية لتحسين الروتين المسائي
الحد من الضوء الأزرق: تجنب الشاشات لمدة 30 إلى 60 دقيقة قبل النوم للحفاظ على إنتاج الميلاتونين، هرمون النوم.
توفير بيئة هادئة: غرفة مظلمة، هادئة وذات درجة حرارة معتدلة تحسن جودة النوم.
الاعتماد على أنشطة مهدئة: مثل القراءة أو التنفس العميق أو التأمل لتخفيف التوتر اليومي.
تجنب المنبهات في وقت متأخر: الكافيين والنيكوتين أو الوجبات الثقيلة في المساء قد تعيق النوم.
استشارة مختص عند استمرار المشاكل: في حال استمرار اضطرابات النوم أو علامات الضيق النفسي، يُنصح بمراجعة مختص صحي.
للتذكير
لا يتمتع الأشخاص الأكثر سعادة بالضرورة بظروف استثنائية، بل يعتمدون على طقوس بسيطة ومنتظمة، خاصة في فترة ما قبل النوم.
ومن خلال الجمع بين الابتعاد عن الشاشات وممارسة الامتنان والحفاظ على انتظام النوم والتفكير الإيجابي، تتحول الروتينات المسائية إلى أداة فعالة لتنظيم المشاعر. ومع تكرار هذه السلوكيات يوميًا تسهم تدريجيًا في تعزيز الرفاه والقدرة على مواجهة تحديات الحياة اليومية.
الكلمات المفتاحية: السعادة، الروتين، المساء، النوم، الرفاه، الصحة النفسية، علم النفس، الامتنان، الإيقاع اليومي، عادات، وقت النوم، جودة النوم.