صحة جيدة لحياة أفضل

المشاعر الإيجابية في العمل: رافعة قوية للصحة النفسية لا يُقدرها الجميع

حرر : جنات يعقوبي | أخصائية نفسية إكلينيكية
6 يناير 2026

لطالما وُضِعت المشاعر الإيجابية في المرتبة الثانية داخل العالم المهني، غير أنها تفرض اليوم نفسها كعامل أساسي في الصحة النفسية في العمل. فهي لا تقتصر على الإحساس الذاتي بالراحة، بل إن تأثيرها قابل للقياس، موثق علميا، ومستدام على المستويين النفسي والفيزيولوجي.

وأمام تزايد حالات التوتر المزمن، والاحتراق المهني، واضطرابات القلق والاكتئاب، يصبح تعزيز هذه المشاعر تحديا حقيقيا في مجال الوقاية.


الضحك ليس مجرد استجابة اجتماعية أو عاطفية، بل يطلق سلسلة من التفاعلات العصبية البيولوجية المفيدة. فعندما يضحك الإنسان، يفرز الدماغ عدة نواقل عصبية أساسية، من بينها الإندورفين، والدوبامين، والسيروتونين.

وتلعب هذه المواد دورا محوريا في تنظيم الألم، والمزاج، والتوتر. إذ تعمل الإندورفينات كمسكنات طبيعية، ويعزز الدوبامين الدافعية والشعور بالمتعة، بينما يساهم السيروتونين في التوازن العاطفي والوقاية من الحالات الاكتئابية.

وفي بيئة العمل يمكن للحظات من الخفة والضحك المشترك أن تقلل من التوتر العصبي، وتعزز تماسك الفريق، وتخفف من آثار الضغط المتراكم.


يعد الامتنان من أكثر المشاعر الإيجابية التي تمت دراستها في علم النفس. ووفقا لأبحاث الدكتور روبرت إيمونز أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، فإن الأشخاص الذين يشعرون بالامتنان بانتظام يصرحون بأنهم أكثر سعادة، وأكثر رضا عن حياتهم، ويتمتعون بصحة عامة أفضل.

كما يميل هؤلاء إلى تبني سلوكيات أكثر فائدة لصحتهم، مثل ممارسة النشاط البدني بشكل أكبر واحترام حاجاتهم للراحة. وفي العمل يساهم تنمية الامتنان تجاه الزملاء، وبيئة العمل، والنجاحات المحققة في خلق مناخ علاقاتي أكثر هدوء، ويقلل من التركيز المفرط على الصعوبات أو الإخفاقات.


على عكس الأفكار الشائعة، لا يعني التفاؤل السذاجة. فعندما يكون معتدلا وواقعيا، يشكل عاملا معترفا به في الحماية النفسية، أين يتمتع الأشخاص المتفائلون بقدرة أفضل على مقاومة التوتر، وبمرونة أكبر في التعافي بعد الفشل، وبمثابرة أعلى في مواجهة العقبات. ويساهم هذا النهج الذهني في تعزيز الصلابة النفسية، أي القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة دون الانهيار نفسيا.

وفي السياق المهني يسمح هذا التفاؤل المتزن بإدارة الضغوط بشكل أفضل، واستباق الصعوبات دون تهويل، والحفاظ على التزام مهني مستدام.


لا تحل المشاعر الإيجابية محل باقي ركائز الصحة مثل النوم، والتغذية، والنشاط البدني، لكنها تعمل بتناغم معها. ومن خلال تقليص الإفراز المزمن لهرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، تساهم في حماية الجهاز القلبي الوعائي، والجهاز المناعي، والتوازن الهرموني. وعليه، فإن تأثيرها يشمل الصحة النفسية والصحة الجسدية معا.


يوصي مختصو الصحة النفسية بعدة مقاربات بسيطة ومتاحة لتعزيز المشاعر الإيجابية في العمل، من بينها:

  • تشجيع التفاعلات الاجتماعية الجيدة وأوقات التبادل غير الرسمي
  • تثمين الاعتراف بالجهود وتقديم ملاحظات إيجابية
  • إدماج فترات راحة حقيقية للحد من العبء المعرفي
  • دعم المبادرات الجماعية التي تعزز الشعور بالفائدة والانتماء
  • توعية الفرق بإدارة التوتر ومبادئ علم النفس الإيجابي

وعند إدماج هذه الإجراءات بشكل منسجم، فإنها تساهم في الوقاية من الاضطرابات النفسية وتحسين جودة الحياة المهنية على المدى الطويل.


لا يندرج تعزيز المشاعر الإيجابية ضمن التفاؤل الشكلي، بل يعد رافعة مدعومة علميا قادرة على التأثير الإيجابي في الصحة النفسية على المدى البعيد.

الضحك والامتنان والتفاؤل الواقعي لا تعوض العلاج ولا سياسات الوقاية، لكنها مجتمعة تشكل أساسا قيما لتعزيز التوازن النفسي، والمرونة الفردية، والصحة الشاملة في العمل.

الكلمات المفتاحية:العمل؛ الضحك؛ الامتنان؛ التفاؤل؛ الرعاية؛ الصحة؛ المشاعر؛ النفسية؛

مقالات في نفس الموضوع