صحة جيدة لحياة أفضل

سابقة عالمية: مريض يتلقى علاجا جينيا في محاولة لتجديد شباب خلاياه

حرر : صفاء كوثر بوعريسة | صحفية
7 يوليو 2026

تلقى إنسان علاجًا جينيًا تجريبيًا صُمم بهدف ” تجديد شباب” بعض الخلايا من خلال إعادة ضبط برنامجها البيولوجي وذلك للمرة الأولى، أين يعد هذا التقدم العلمي خطوة قد تمثل نقطة تحول في أبحاث الشيخوخة.

نحو طب قادر على إبطاء الشيخوخة؟

وطورت هذا العلاج شركة Life Biosciences  الأمريكية، وهو لا يهدف في الوقت الحالي إلى إطالة العمر مباشرة، بل إلى استعادة الوظائف الطبيعية للخلايا المتقدمة في السن. ويأمل الباحثون أن يمهد ذلك الطريق أمام أساليب علاجية جديدة لمواجهة الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، ولا سيما تلك التي تؤثر في البصر.

ورغم الاهتمام الكبير الذي أثارته هذه التقنية، يؤكد العلماء أن الأمر لا يزال يقتصر على أول تجربة سريرية، وأن فعالية العلاج وسلامته يجب أن تُثبتا قبل التفكير في استخدامه على نطاق أوسع.

تلقى أول متطوع حقنة تحتوي على فيروس معدل، يُستخدم على نطاق واسع في العلاج الجيني بوصفه ناقلًا لإيصال المادة الوراثية، وقد صُمم هذا الفيروس لنقل ثلاثة جينات محددة مباشرة إلى بعض خلايا العين، بهدف تعديل طريقة عملها حتى تستعيد خصائص بيولوجية شبيهة بتلك الموجودة في الخلايا الأصغر سنًا.

وتُعد هذه الاستراتيجية أول محاولة لإعادة البرمجة فوق الجينات (الإبيجينية) تُطبق على مريض بشري في إطار علاج يستهدف شيخوخة الخلايا، وتتضمن التجربة السريرية علاج ما يصل إلى اثني عشر شخصًا مصابين بالجلوكوما، قبل احتمال توسيعها لتشمل أمراضًا أخرى تصيب العصب البصري.

يعتمد العلاج التجريبي، الذي يحمل اسم ER100، على استخدام ثلاثة عوامل نسخ هي:

  • OCT4
  • SOX2
  • KLF4

وتؤدي هذه البروتينات دورًا أساسيًا في التحكم بنشاط الجينات، فيما تتمثل مهمتها في إعادة ضبط جزء من البرنامج البيولوجي للخلايا، بهدف استعادة أنماط من التعبير الجيني تشبه تلك الموجودة في الخلايا الفتية، وعلى عكس تعديل المادة الوراثية لا تهدف هذه التقنية إلى تغيير تسلسل الحمض النووي وإنما تؤثر في الطريقة التي يتم بها تشغيل الجينات أو إيقافها.

تعتمد هذه المقاربة على مجال بحثي يشهد تطورًا متسارعًا، وهو علم التخلق (الإبيجينيات)، فمع التقدم في العمر، يبقى الحمض النووي البشري دون تغير يُذكر، بينما تتغير تدريجيًا الآليات التي تتحكم في طريقة عمله.

وتشمل هذه التغيرات على وجه الخصوص:

  • تنظيم الحمض النووي داخل الخلايا.
  • العلامات الكيميائية التي تنظم التعبير الجيني.
  • التفاعلات بين الحمض النووي وبعض جزيئات الحمض النووي الريبوزي.

ومع مرور الوقت قد تؤدي هذه التغيرات إلى اضطراب الأداء الطبيعي للخلايا، مما يسهم في ظهور العديد من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، ويعتقد الباحثون أن استعادة هذه المعلومات فوق الجينية قد تمكّن الخلايا من استرجاع جزء من قدراتها الوظيفية.

ولم تأتِ هذه الاستراتيجية من فراغ فقد أظهرت أبحاث أُجريت في جامعة هارفارد بقيادة البروفيسور ديفيد سنكلير، الشريك المؤسس لشركة Life Biosciences، أن تنشيط هذه الجينات الثلاثة لدى فئران مسنة أو مصابة بالجلوكوما أدى إلى تجديد بعض الخلايا العصبية في شبكية العين، واستعادت الحيوانات جزءًا مهمًا من قدرتها على الإبصار.

وقد نُشرت هذه النتائج في المجلة العلمية Nature، وشكلت محطة رئيسية في تطوير هذا النهج العلاجي الجديد، بينما يمثل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر الآن خطوة حاسمة.

اختار الباحثون اختبار هذه التقنية على العصب البصري لعدة أسباب:

  • العين عضو يسهل الوصول إليه.
  • يمكن إعطاء العلاج موضعيًا، مما يحد من انتشار الفيروس إلى بقية أنحاء الجسم.
  • يسهل أيضًا مراقبة الآثار الجانبية المحتملة مقارنة بالتدخل في أعضاء حيوية أخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن الأمراض التنكسية التي تصيب البصر، مثل الجلوكوما أو الاعتلال العصبي البصري الإقفاري الأمامي، تصيب ملايين الأشخاص حول العالم، ولا تزال الخيارات العلاجية القادرة على إصلاح التلف العصبي فيها محدودة.

ويتمثل أحد أبرز تحديات إعادة البرمجة الخلوية في خطر التكاثر غير المنضبط للخلايا، وهو ما قد يزيد من احتمال الإصابة بالسرطان، وللحد من هذا الخطر، طور الباحثون نظامًا للتحكم في العلاج.

فالجينات الثلاثة لا تصبح نشطة إلا عندما يتناول المريض مضادًا حيويًا يُعرف باسم الدوكسيسيكلين (Doxycycline)، وعند إيقاف هذا الدواء تتوقف الجينات تلقائيًا عن العمل، كما يتيح هذا النظام التحكم بدقة في مدة نشاط عوامل إعادة البرمجة، ويقلل من المخاطر المرتبطة بتنشيطها لفترات طويلة.

في هذه المرحلة لا يسعى الباحثون بعد إلى إثبات حدوث تجديد حقيقي لشباب الجسم، ويتمثل الهدف الرئيسي لهذه التجربة السريرية في التحقق من:

  • سلامة العلاج.
  • مدى تحمله لدى الإنسان.
  • عدم حدوث آثار جانبية خطيرة.

أما أي تحسن محتمل في الرؤية أو في وظائف الخلايا، فسيُعد هدفًا ثانويًا يحتاج إلى تأكيد من خلال دراسات أوسع.

يرى “ديفيد سنكلير أن جزءً كبيرًا من الشيخوخة قد يكون ناتجًا عن فقدان تدريجي للمعلومات فوق الجينية، وليس عن أضرار لا رجعة فيها في الحمض النووي، ولا تزال هذه الفرضية محل نقاش داخل الأوساط العلمية، وإذا ثبتت صحتها فقد تغير الطريقة التي تُعالج بها العديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، ومع ذلك يؤكد المختصون أنه من المبكر جدًا الحديث عن علاج مضاد للشيخوخة أو عن وسيلة لإطالة العمر، ولا تزال هناك حاجة إلى سنوات طويلة من الأبحاث قبل التفكير في استخدام سريري واسع لهذه التقنية.

ويأمل الباحثون على المدى البعيد في تطبيق هذه التقنية على أعضاء أخرى تتأثر بالشيخوخة مثل:

  • الدماغ.
  • القلب.
  • العضلات.
  • الكلى.

لكن حتى الآن لا يوجد أي دليل يؤكد أنها قادرة على إبطاء شيخوخة الجسم بأكمله أو زيادة متوسط العمر المتوقع.

وكما أوضحت “شارون روزنزويغ-ليبسون” المديرة العلمية لشركة Life Biosciences، فإن الهدف الحالي ليس تجديد شباب الجسم بالكامل، بل إثبات أن هذه المقاربة آمنة، وأنها قادرة على استعادة بعض الوظائف الخلوية.

يشدد المختصون على عدة نقاط أساسية:

  • هذا العلاج لا يزال تجريبيًا بالكامل، وغير متاح في الممارسة الطبية الاعتيادية.
  • لا ينبغي اعتباره علاجًا مثبتًا لمكافحة الشيخوخة.
  • يجب على مرضى الجلوكوما مواصلة العلاجات التي وصفها لهم طبيب العيون، وعدم إيقاف المتابعة الطبية.
  • ينبغي أن تتم أي مشاركة في تجربة سريرية تحت إشراف فريق طبي متخصص، مع تزويد المشارك بكامل المعلومات حول الفوائد المتوقعة والمخاطر المحتملة.

يمثل إعطاء هذا العلاج لأول مرة لإنسان محطة تاريخية في مجال الطب التجديدي وبيولوجيا الشيخوخة، ورغم أن النتائج لا تزال غير معروفة فإن هذه الدراسة تفتح بابًا جديدًا للبحث العلمي، يتمثل في استعادة وظائف الخلايا المتقدمة في السن بصورة مستهدفة من خلال إعادة البرمجة فوق الجينية.

ومع ذلك وقبل التفكير في علاج قادر على إبطاء الشيخوخة لدى الإنسان، سيكون من الضروري إثبات أن هذه التقنية فعالة، ومستدامة، والأهم من ذلك أنها آمنة.

الكلمات المفتاحية: العلاج الجيني، تجديد الشباب، الخلايا، الشيخوخة، علم التخلق ER-100، Life Biosciences، الجلوكوما، مكافحة الشيخوخة، إعادة البرمجة ، OCT4، SOX2، KLF4، ، الطب التجديدي، تجربة سريرية، الحمض النووي، عوامل النسخ، الصحة، طب العيون، البحث الطبي.

اقرأ أيضاً: