
في ظل التزايد المقلق لمقاومة المضادات الحيوية، يواصل الباحثون استكشاف مسارات علاجية جديدة. ومن بين هذه المسارات، قد تستقطب نبتة برية متواضعة اهتمام المجتمع العلمي. فـ” التورمنتيل” (Potentilla erecta)، وهي زهرة صفراء صغيرة تنمو في المستنقعات الخثية الأوروبية، أصبحت محور دراسة واعدة. فقد اكتشف باحثون من كلية “ترينيتي” في “دبلن” وجامعة “ساوثهامبتون” أن بعض المركبات المستخلصة من جذورها قد تعزز فعالية المضادات الحيوية ضد بكتيريا متعددة المقاومة للمضادات، والمسؤولة عن إصابات خطيرة مكتسبة داخل المستشفيات.
اكتشاف غير متوقع في قلب المستنقعات الخثية
نُشرت هذه الدراسة في مارس 2026 في مجلة Microbiology، وتفتح آفاقًا مبتكرة للحفاظ على فعالية المضادات الحيوية التي تُستخدم كخيار علاجي أخير.
مقاومة المضادات الحيوية… تهديد عالمي متزايد
تُعد مقاومة المضادات الحيوية أحد أكبر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين، ووفقًا لتقديرات نُشرت في مجلة The Lancet، تتسبب هذه الظاهرة في أكثر من 1.27 مليون حالة وفاة سنويًا حول العالم. فعندما تكتسب البكتيريا مقاومة للعلاجات المتاحة تصبح العدوى الشائعة صعبة العلاج، بل وقد تتحول في بعض الحالات إلى أمراض يستحيل علاجها.
ولهذا يسعى الباحثون إلى تطوير استراتيجيات جديدة تحد من نمو البكتيريا دون أن تساهم في زيادة ظهور سلالات مقاومة جديدة.
Acinetobacter baumannii… بكتيريا شديدة الخطورة
من بين أخطر مسببات الأمراض تبرز بكتيريا Acinetobacter baumannii، التي صنفتها منظمة الصحة العالمية ضمن قائمة مسببات الأمراض ذات الأولوية القصوى، وتتسبب هذه البكتيريا الانتهازية في العديد من العدوى المكتسبة داخل المستشفيات من بينها:
- الالتهاب الرئوي الحاد.
- التهابات المسالك البولية المعقدة.
- التهابات الجروح الجراحية.
- تسمم الدم لدى المرضى الأكثر هشاشة.
وتكمن خطورتها في قدرتها الكبيرة على مقاومة العديد من المضادات الحيوية وفي بعض الحالات لا يجد الأطباء خيارًا سوى استخدام الكوليستين (Colistin)، وهو مضاد حيوي قديم لا يُلجأ إليه إلا كخيار أخير بسبب سميته المحتملة للكلى.
نبتة قادرة على إبطاء نمو البكتيريا
وفي إطار مشروع بحثي بعنوان “Unlocking Nature’s Pharmacy from Bogland Species”، قام العلماء بتحليل أكثر من 70 نوعًا نباتيًا من المستنقعات الخثية الإيرلندية، وسرعان ما برزت نبتة التورمنتيل بفضل النتائج التي حققتها، إذ أظهرت مستخلصات جذورها عدة تأثيرات مهمة منها:
- إبطاء نمو البكتيريا.
- تقليل تكوّن الأغشية الحيوية (Biofilms).
- زيادة فعالية بعض المضادات الحيوية.
وقد لفتت هذه النتائج اهتمام الباحثين بشكل خاص عند اختبارها على السلالات متعددة المقاومة من بكتيريا Acinetobacter baumannii.
لماذا تمثل الأغشية الحيوية مشكلة كبيرة؟
لا تعيش البكتيريا دائمًا بصورة منفردة، بل تستطيع تكوين أغشية حيوية (Biofilms)، وهي تجمعات بكتيرية محاطة بمصفوفة لزجة تعمل كدرع واقٍ، وتؤدي هذه البنى إلى:
- حماية البكتيريا من تأثير المضادات الحيوية.
- تعزيز بقائها على قيد الحياة.
- زيادة مقاومتها للعلاجات.
- تسهيل حدوث الالتهابات المزمنة.
ولهذا فإن الحد من قدرة البكتيريا على تكوين هذه الأغشية الحيوية يُعد هدفًا رئيسيًا في مكافحة العدوى المقاومة.
كيف تعمل نبتة التورمنتيل؟
حدد الباحثون جزيئين يتمتعان بنشاط بيولوجي مرتفع داخل جذور التورمنتيل وهما:
- الأغريمونيين (Agrimoniin).
• حمض الإيلاجيك (Ellagic acid).
ويعتمد تأثيرهما على آلية طبيعية تُعرف باسم استخلاب الحديد ، فالحديد عنصر أساسي لنمو البكتيريا وعملياتها الحيوية وعند حرمانها منه تصبح غير قادرة على النمو بصورة طبيعية أو تكوين الأغشية الحيوية.
وتعمل هاتان المادتان النباتيتان على التقاط الحديد المتاح في البيئة المحيطة، مما يحرم البكتيريا من مورد حيوي ضروري، وبمعنى آخر فإن النبتة “تُجوع” البكتيريا بدلًا من مهاجمتها مباشرة.
دليل قوي على آلية التأثير
للتحقق من فرضيتهم أضاف الباحثون كمية كبيرة من الحديد إلى مزارع البكتيريا، وجاءت النتيجة واضحة؛ إذ تراجع بشكل كبير التأثير الوقائي لمستخلص التورمنتيل، وأكدت هذه الملاحظة أن الآلية تعتمد أساسًا على حرمان البكتيريا من الحديد اللازم لتكاثرها.
ثلاثة نتائج واعدة للغاية
أبرزت الدراسة ثلاث ملاحظات رئيسية:
- تأثير مباشر ضد سلالة متعددة المقاومة: أدى المستخلص الخام لجذور التورمنتيل إلى إبطاء نمو سلالة سريرية متعددة المقاومة من Acinetobacter baumannii بصورة ملحوظة.
- تحديد الجزيئات الفعالة: أظهر كل من الأغريمونيين وحمض الإيلاجيك قدرة منفردة على إحداث التأثير المضاد للبكتيريا نفسه.
- تأثير تآزري مع الكوليستين: عند دمج هذين المركبين مع جرعة منخفضة من الكوليستين، وهي جرعة لا تكفي وحدها للسيطرة على البكتيريا، تعززت فعالية المضاد الحيوي بشكل كبير.
وقد يسمح هذا التأثير التآزري مستقبلًا بتقليل الجرعات اللازمة من الكوليستين في العلاج.
لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهمًا؟
يبقى الكوليستين أحد آخر الخيارات العلاجية المتاحة لمواجهة بعض أنواع العدوى المقاومة، غير أن استخدامه لفترات طويلة قد يؤدي إلى آثار جانبية خطيرة أبرزها:
- السمية الكلوية.
- اضطرابات عصبية.
- اختلال توازن الشوارد (الإلكتروليتات).
وإذا أمكن استخدام مركبات طبيعية لتقليل الجرعات المطلوبة مع الحفاظ على الفعالية العلاجية، فقد يساهم ذلك في الحد من هذه المضاعفات وتأخير ظهور مقاومة بكتيرية جديدة.
نتائج مشجعة… لكنها لا تزال أولية
رغم أهمية هذه النتائج فإنها ما تزال في المرحلة التجريبية، فقد أُجريت الدراسة داخل المختبر على مزارع بكتيرية فقط، ولم تُنفذ حتى الآن أي تجارب سريرية على الحيوانات أو البشر، ولا تزال هناك مراحل أساسية ينبغي استكمالها منها:
- تقييم سلامة هذه المركبات.
- تحديد الجرعات العلاجية الفعالة.
- التحقق من فعاليتها لدى الحيوانات.
- إجراء تجارب سريرية على الإنسان.
ولذلك، فمن المبكر جدًا التفكير في استخدام التورمنتيل كعلاج طبي.
كنوز الطبيعة الخفية
تُذكرنا هذه الدراسة بأن العديد من أهم الأدوية في العالم مستمدة أصلًا من الطبيعة، فالعديد من المضادات الحيوية، وأدوية السرطان، والعلاجات الحديثة مصدرها الأول النباتات أو الفطريات أو البكتيريا.
ويُعد الفانكومايسين (Vancomycin) مثالًا بارزًا على ذلك، إذ يمثل اليوم أحد أهم المضادات الحيوية المستخدمة ضد بعض أنواع العدوى المقاومة، وقد تشكل المستنقعات الخثية الأوروبية مخزونًا طبيعيًا لا يزال غير مستكشف بما يكفي من الجزيئات العلاجية الواعدة.
توصيات طبية
رغم النتائج المشجعة فإنها لا تبرر إطلاقًا اللجوء إلى التداوي الذاتي باستخدام النباتات الطبية، ولمواجهة مقاومة المضادات الحيوية ينصح المختصون بما يلي:
- عدم تناول أي مضاد حيوي دون وصفة طبية.
- الالتزام الكامل بمدة العلاج الموصوفة.
- عدم إيقاف العلاج قبل انتهائه حتى عند تحسن الأعراض.
- عدم مشاركة المضادات الحيوية مع الآخرين.
- المحافظة على نظافة اليدين بصورة منتظمة.
- الالتزام بالتوصيات الخاصة بالتطعيمات.
ولا تزال الوقاية تمثل السلاح الأكثر فاعلية للحد من انتشار البكتيريا المقاومة.
الخلاصة
تمكن باحثون من تحديد جزيئين موجودين في جذور نبتة التورمنتيل قادرين على حرمان بعض البكتيريا الخارقة من الحديد الضروري لنموها، وأظهرت التجارب المخبرية أن هذين المركبين أبطآ نمو بكتيريا Acinetobacter baumannii، كما عززا فعالية الكوليستين وهو أحد المضادات الحيوية المستخدمة كخيار علاجي أخير. ورغم أن النتائج تبعث على التفاؤل فإن تطبيقها في الممارسة الطبية لا يزال يتطلب إجراء المزيد من الدراسات على الحيوانات ثم على البشر.
الكلمات المفتاحية: البكتيريا الخارقة، مقاومة المضادات الحيوية، التورمنتيل، Acinetobacter baumannii، الكوليستين، الأغشية الحيوية، الحديد، الأغريمونيين، حمض الإيلاجيك، العدوى المكتسبة داخل المستشفيات، البحث الطبي، الصحة العام
اقرأ أيضاً: