صحة جيدة لحياة أفضل

ثورة في طب القلب: أجهزة تنظيم ضربات القلب قد تصبح أصغر من حبة أرز  

حرر : د. عماد بوعريسة | دكتور في الطب
24 يونيو 2026

لطالما اعتُبرت أجهزة تنظيم ضربات القلب أجهزة كبيرة الحجم ومعقدة، إلا أنها تشهد اليوم تحولاً مذهلاً. فبفضل التقدم في تقنيات التصغير أصبحت هذه الأجهزة الطبية بمثابة تركيز هائل للتكنولوجيا المتطورة.

تطور تكنولوجي يغيّر ملامح طب القلب

بعد أن انتقلت من حجم صندوق كبير إلى حجم كبسولة صغيرة، قد تصبح أجهزة تنظيم ضربات القلب المستقبلية قريباً بحجم حبة أرز فقط، وهو تطور يفتح آفاقاً جديدة لعلاج اضطرابات نظم القلب.

جهاز تنظيم ضربات القلب (Pacemaker) هو جهاز يُستخدم لتصحيح بعض اضطرابات نظم القلب، فعندما ينبض القلب ببطء شديد أو بطريقة غير منتظمة، يرسل الجهاز نبضات كهربائية ضعيفة للمحافظة على وتيرة قلبية تتناسب مع احتياجات الجسم، ويُستخدم هذا الجهاز بشكل رئيسي لدى المرضى الذين يعانون من:

  • بطء القلب (تباطؤ معدل ضربات القلب).
  • اضطرابات التوصيل القلبي.
  • بعض أنواع الإحصار الأذيني البطيني.
  • بعض أشكال قصور القلب.

ويستفيد آلاف المرضى سنوياً حول العالم من هذه التقنية التي تحسن بشكل كبير نوعية حياتهم وتقلل من خطر المضاعفات الخطيرة.

بدأت القصة الحديثة لأجهزة تنظيم ضربات القلب عام 1958 مع أول عملية زرع ناجحة لدى مريض، ففي ذلك الوقت كان الجهاز كبير الحجم للغاية، وكان النظام يتكون من:

  • وحدة تحتوي على البطارية.
  • أقطاب كهربائية.
  • جهاز يُزرع داخل البطن.

وكانت الأقطاب متصلة مباشرة بعضلة القلب لنقل النبضات الكهربائية اللازمة لعمل القلب بصورة طبيعية، ورغم محدودية تلك التقنية، فقد شكلت نقطة تحول مهمة في تاريخ طب القلب والأوعية الدموية.

على مدى العقود الماضية سمح التقدم التكنولوجي بتقليص حجم أجهزة تنظيم ضربات القلب بشكل مذهل، فالأجهزة المزروعة حالياً توضع عادة أسفل عظمة الترقوة ولا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات، كما أصبحت:

  • البطاريات أكثر كفاءة.
  • الأنظمة الإلكترونية أكثر موثوقية.
  • البرمجة أكثر دقة.

وقد ساهم ذلك في تحسين راحة المرضى وتقليل المخاطر المرتبطة بعمليات الزرع.

على الرغم من فعاليتها، فإن أجهزة تنظيم ضربات القلب التقليدية لا تزال تعاني من مشكلة مهمة تتمثل في الأقطاب الكهربائية، فهذه الأسلاك تؤمن الاتصال بين الجهاز والقلب.

ومع مرور الوقت قد تظهر عدة مضاعفات منها:

  • انقطاع الأقطاب.
  • تحرك الجهاز أو مكوناته من مكانها.
  • الالتهابات.
  • إصابات الأوعية الدموية.
  • خثار الوريد .
  • الأعطال الكهربائية.

ورغم أن هذه المضاعفات تبقى نادرة نسبياً، فإنها قد تستدعي تدخلاً طبياً إضافياً يكون معقداً أحياناً.

للتغلب على هذه القيود طور الباحثون جيلاً جديداً من أجهزة تنظيم ضربات القلب يعرف بالأجهزة الخالية من الأقطاب، وقد بدأت أولى التجارب السريرية عام 2013 معلنة بداية حقبة جديدة في طب القلب التدخلي، وعلى عكس الأجهزة التقليدية تُزرع هذه الأجهزة المصغرة مباشرة داخل القلب، ولا تتطلب:

  • وحدة مزروعة تحت الجلد.
  • أسلاكاً كهربائية.
  • تمرير أقطاب داخل الأوردة.

ويؤدي هذا التصميم إلى تقليل خطر المضاعفات المرتبطة بالمعدات المزروعة بشكل كبير.

تُستخدم اليوم عدة نماذج من أجهزة تنظيم ضربات القلب الخالية من الأقطاب في عدد من المراكز الطبية المتخصصة حول العالم، ويتم زرعها عبر القسطرة، حيث يُدخل الجهاز عبر أحد أوردة الساق، غالباً من منطقة الأربية، ثم يُوجَّه حتى يصل إلى القلب، وتتميز هذه التقنية بعدة مزايا:

  • تدخل جراحي أقل.
  • تعافٍ أسرع.
  • انخفاض خطر العدوى.
  • عدم وجود ندبة واضحة على الصدر.
  • تقليل المضاعفات المرتبطة بالأقطاب.

يواصل الباحثون حالياً العمل على تصغير هذه الأجهزة أكثر فأكثر، وتقوم عدة مختبرات بتطوير نماذج فائقة الصغر قد تصل إلى حجم حبة أرز، وقد تتمكن هذه الأجهزة المستقبلية من:

  • أن تُزرع بسهولة أكبر.
  • التكيف مع مناطق مختلفة من القلب.
  • العمل ضمن شبكة مترابطة.
  • التواصل فيما بينها.
  • تحسين التزامن بين أجزاء القلب.

كما يمهد هذا النهج الطريق نحو طب شخصي حقيقي في مجال أمراض القلب.

لا تقتصر الأبحاث الحالية على تصغير الحجم فقط، بل تشمل أيضاً:

بطاريات أكثر كفاءة: يتمثل الهدف في زيادة عمر الأجهزة مع تقليل حجمها في الوقت نفسه.

أنظمة تعمل من دون بطاريات: تدرس بعض الفرق البحثية تقنيات قادرة على استغلال الطاقة الناتجة طبيعياً عن حركة القلب لتشغيل الجهاز.

مواد قابلة للتحلل الحيوي: يجري تطوير نماذج تجريبية يمكن أن تتحلل طبيعياً بعد انتهاء مهمتها، ما قد يجنب المرضى بعض عمليات الإزالة الجراحية.

الذكاء الاصطناعي: قد تتمكن الأجهزة المستقبلية من تحليل بيانات القلب بشكل لحظي وضبط أدائها تلقائياً وفق حالة المريض.

من المنتظر أن تسمح هذه التطورات بما يلي:

  • تعزيز السلامة.
  • تقليل المضاعفات.
  • تبسيط الإجراءات العلاجية.
  • تسريع التعافي.
  • تحسين الراحة اليومية.
  • توفير متابعة طبية أكثر دقة.

وبالنسبة للمسنين أو المرضى الهشين صحياً، قد تمثل هذه الابتكارات تقدماً بالغ الأهمية.

يُوصى عادة بزرع جهاز تنظيم ضربات القلب عندما يؤدي اضطراب النظم القلبي إلى تباطؤ خطير في نبضات القلب، ومن أكثر الأعراض شيوعاً:

  • التعب غير المعتاد.
  • ضيق التنفس.
  • الدوار.
  • حالات الإغماء أو الشعور بقربه.
  • فقدان الوعي.
  • انخفاض القدرة على تحمل الجهد البدني.

ويعتمد التشخيص على فحص قلبي شامل يتضمن غالباً تخطيط القلب الكهربائي (ECG)، وأحياناً تسجيلاً مطولاً لنظم القلب.

من جهتهم يؤكد أطباء القلب أن الوقاية القلبية الوعائية تبقى أساسية، لذلك ينصحون بـ:

  • ممارسة نشاط بدني منتظم.
  • مراقبة ضغط الدم.
  • متابعة مستويات الكوليسترول.
  • الحفاظ على وزن صحي.
  • تجنب التدخين.
  • تجنب الإفراط في استهلاك الكحول.
  • اتباع نظام غذائي متوازن.
  • استشارة الطبيب سريعاً عند حدوث خفقان أو دوار أو إغماء.

كما تساهم المتابعة الطبية الدورية في الكشف المبكر عن بعض اضطرابات نظم القلب.

في غضون أكثر من ستين عاماً بقليل انتقلت أجهزة تنظيم ضربات القلب من أجهزة ضخمة تُزرع في البطن إلى أجهزة مصغرة يمكن وضعها مباشرة داخل القلب، وقد أحدث ظهور أجهزة تنظيم ضربات القلب الخالية من الأقطاب تحولاً عميقاً في علاج العديد من المرضى. أما النماذج المستقبلية التي قد تصبح بحجم حبة أرز، فقد تمثل خطوة تاريخية جديدة في مسيرة طب القلب الحديث.

وفي ذات السياق يجسد هذا التصغير التقاء الطب والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والهندسة الطبية الحيوية في خدمة المرضى المصابين باضطرابات نظم القلب.

الكلمات المفتاحية: جهاز تنظيم ضربات القلب، طب القلب، الابتكار الطبي، صحة القلب والأوعية الدموية، اضطراب النظم القلبي، قصور القلب، التكنولوجيا الطبية، التصغير، الأقطاب الكهربائية، الطب، الدقة، الزرعات الطبية، التحفيز الكهربائي.

اقرأ أيضاً: