صحة جيدة لحياة أفضل

هل يعالج الصيام السرطان؟

حرر : د. عماد بوعريسة | دكتور في الطب
23 فبراير 2026

بين الأمل العلمي والواقع الطبي والاحتياطات الضرورية

يثير الصيام اهتماما متزايدا في مجال علم الأورام لكن من الضروري التمييز بين المعطيات العلمية المثبتة والآمال التي قد تكون مبالغا فيها. وحتى اليوم لا يوجد دليل علمي قوي يثبت أن الصيام يشفي من السرطان في المقابل تشير بعض الأبحاث إلى أنه قد يؤثر في آليات بيولوجية مرتبطة بتطور المرض وبمدى تحمل العلاجات.

يقوم الصيام على التوقف عن تناول الطعام لمدة زمنية متفاوتة وهذا الحرمان الغذائي يطلق سلسلة من التكيفات الفسيولوجية المهمة: انخفاض مستوى السكر في الدم، تغير في استقلاب الطاقة، تنشيط آليات الحماية الخلوية، واستخدام المخزونات الداخلية للطاقة (الغلابكوجين ثم الدهون).

أما عند الحيوانات أظهرت تقييد السعرات الحرارية والصيام المتقطع آثارا مفيدة في عدة أمراض، منها السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وبعض الاضطرابات العصبية التنكسية. في حين عند الإنسان فقد يساهمان في تحسين حساسية الإنسولين، خفض ضغط الدم، والمساعدة على إنقاص الوزن في حالات السمنة.

يؤدي الصيام إلى تغيرات أيضية قد تؤثر في سلوك الخلايا السرطانية:

  • انخفاض سكر الدم: الخلايا الورمية تستهلك كميات كبيرة من الغلوكوز للتكاثر السريع (تأثير واربورغ). تقليل السكر يحد من مصدر طاقتها الأساسي.
  • انخفاض عامل النمو الشبيه بالإنسولين 1 (IGF-1): هذاالعامل يحفز انقسام الخلايا، وارتفاع مستواه يرتبط بزيادة خطر بعض السرطانات (الثدي، البروستاتا، القولون والمستقيم، الرئة). الصيام قد يخفض مستواه بشكل ملحوظ.
  • تنشيط آليات الدفاع الخلوية: عند نقص المغذيات تبطئ الخلايا السليمة نموها وتدخل في نمط “البقاء”، فتعزز إنتاج الإنزيمات المضادة للأكسدة وتقوي أنظمة إصلاحها.

في المقابل تستجيب الخلايا السرطانية بشكل مختلف، فبسبب الطفرات التي تميزها تستمر في الانقسام السريع رغم الضغط الغذائي، ما يزيد من هشاشتها خاصة أمام العلاجات.

وتشير عدة دراسات تجريبية إلى احتمال وجود تأثير مزدوج:

  • حماية الخلايا السليمة: قد يجعل الصيام الخلايا الطبيعية أكثر مقاومة لتأثيرات العلاج الكيميائي عبر تنشيط آليات الدفاع وإصلاح الحمض النووي.
  • زيادة هشاشة الخلايا السرطانية: بسبب حرمانها من المغذيات وعدم قدرتها على إبطاء نموها، قد تتعرض لمزيد من الإجهاد التأكسدي، ما يعزز فعالية الأدوية المضادة للسرطان.

وعند الحيوانات أظهرت بعض الدراسات أن الجمع بين الصيام والعلاج الكيميائي قد يطيل البقاء ويقلل من سمية بعض الأدوية، خصوصا على مستوى القلب.

لا تزال الدراسات السريرية محدودة لكن بعض النتائج تبدو مشجعة:

  • مريضات بسرطانات نسائية صمنّ حول جلسات العلاج الكيميائي أبلغن عن تعب أقل وجودة حياة أفضل.
  • بعض الملاحظات تشير إلى انخفاض أضرار الحمض النووي في خلايا مناعية معينة خلال فترات الصيام.
  • قد تكون الآثار الجانبية مثل التعب واضطرابات الهضم والشعور بالضعف أقل حدة في بعض الحالات.

غير أن هذه الدراسات أجريت على مجموعات صغيرة، ولا تثبت أن الصيام يحسن الشفاء أو يطيل البقاء على المدى البعيد.

لكن تكمن المشكلة الأساسية في الحالة التغذوية للمريض فالكثير من مرضى السرطان يعانون أصلا من فقدان الوزن وضمور الكتلة العضلية ما يضعف المناعة والمقاومة العامة للجسم. في هذه الحالات قد يؤدي الصيام إلى تفاقم سوء التغذية ويصبح خطيرا.

لذلك لا يمكن التفكير في الصيام إلا في حالات مختارة بعناية وتحت إشراف طبي صارم، ولمدد قصيرة.

الصيام ليس علاجا للسرطان ولا يعوض الجراحة أو العلاج الكيميائي أو العلاج الإشعاعي ، لكن تشير المعطيات الحالية إلى أنه قد يساعد بعض المرضى على تحمل العلاجات بشكل أفضل وتقليل بعض آثارها الجانبية عبر تعديل الاستقلاب وتنشيط آليات الحماية الخلوية.

وتواصل الأبحاث استكشاف مقاربات مستوحاة من الصيام مثل التقييد المعتدل للسعرات الحرارية أو استخدام مواد تحاكي تأثيراته البيولوجية. لكن في المرحلة الراهنة يجب مناقشة أي توجه نحو الصيام لدى مريض السرطان مع مختص صحي لتجنب مخاطر غذائية وطبية قد تكون جسيمة.

الكلمات المفتاحية: السرطان، الصيام، العلاج، الصحة، الجراحة، الخلايا، السعرات الحرارية، بيولوجي.

إقرأ أيضاً: