بمجرد أن تنخفض درجات الحرارة تعود ظاهرة تتكرر كل عام. أجبان ذائبة، أطباق دسمة، وشوكولاتة بلا حدود. هذا الميل إلى الأطعمة الغنية بالدهون في الشتاء ليس صدفة ولا ضعفا في الإرادة، بل يرتبط بآليات بيولوجية ونفسية معروفة. لكن هل يعني ذلك أنه يجب زيادة استهلاك الدهون عمدا عند البرد؟ قراءة طبية.
لماذا يجعلنا البرد نشعر بالجوع؟
استجابة بيولوجية مبرمجة
عندما يتعرض الجسم للبرد يفعّل آليات قديمة مرتبطة بالبقاء، حيث يدخل الجهاز العصبي الودي في حالة نشاط، فيفرز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول. وفي الوقت نفسه يتسارع الأيض من أجل إنتاج الحرارة. وهذا ما يعرف بالتوليد الحراري.
وبحسب خبراء التغذية، يزيد البرد من الإنفاق الطاقوي العام للجسم، وهذه الزيادة تؤدي بشكل طبيعي إلى ارتفاع الشهية.
تظهر استجابتان فيزيولوجيتان أساسيتان:
- الارتجاف وهو تقلص عضلي لا إرادي.
- تنشيط النسيج الدهني البني، القادر على حرق الأحماض الدهنية لإنتاج الحرارة.
والنتيجة: يستهلك الجسم طاقة أكبر، ويطلب مزيدا من الوقود.
الرغبة في الدهون: الدماغ له دور أيضا
دور الطعام المريح نفسيا
الشتاء لا يبرد الجسم فقط بل يؤثر أيضا في المزاج، فقلة الضوء، وقصر النهار، والبرد كلها عوامل تعزز البحث عن الإحساس بالراحة، وهذا ما يسميه المختصون باللذة الغذائية.
كما أن الأطعمة الدهنية سواء كانت حلوة أو مالحة، تنشط دائرة المكافأة في الدماغ، فهي تمنح إحساسا فوريا بالمتعة والهدوء، ويزداد هذا التأثير في فترات التعب، أو التوتر، أو انخفاض المزاج المرتبط بالموسم.
لماذا الدهون تحديدا وليس عناصر غذائية أخرى؟
الدهون: الوقود الأكثر كثافة
تعد الدهون فعالة جدا من الناحية الطاقوية.
- 1 غرام من الدهون = 9 سعرات حرارية
- 1 غرام من الكربوهيدرات أو البروتينات = 4 سعرات حرارية
وفي الشتاء عندما يسعى الجسم إلى إنتاج الحرارة، تصبح الدهون مصدرا مفضلا للطاقة، فهي تسمح بتغطية الاحتياجات المتزايدة بسرعة من دون زيادة كبيرة في حجم الطعام المتناول.
ليست كل الدهون متساوية
الدهون الجيدة التي ينصح بتفضيلها :
الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، أوميغا 9: حيث تساهم في خفض الكوليسترول الضار LDL، وتحمي الجهاز القلبي الوعائي، ومن بين مصادرها:
- زيت الزيتون
- الأفوكادو
- اللوز والبندق
- السمسم
- بعض أنواع اللحوم مثل الدجاج، ولحم الخنزير، ولحم البقر، ولحم الضأن
الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، أوميغا 3 وأوميغا 6
تشارك في حسن عمل الدماغ، وتنظيم الالتهاب، ودعم المناعة، ومن بين مصادرها:
- الأسماك الدهنية
- الزيوت النباتية
- الجوز
- البذور
الدهون التي يجب الحد منها
الأحماض الدهنية المشبعة وتوجد بكميات كبيرة في:
- الأجبان
- الزبدة
- القشدة
- اللحوم المصنعة
حيث أن الإفراط في استهلاكها يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، لذلك لا يجب حذفها تماما بل تناولها باعتدال.
هل يجب فعلا تناول دهون أكثر في الشتاء؟
نعم لكن بذكاء ، فخلافا للأفكار الشائعة فإن زيادة طفيفة في كمية الدهون خلال الشتاء تعد منطقية من الناحية الفيزيولوجية، كما أنه في الشتاء قد يحتاج البالغ السليم إلى أن تأتي نسبة تصل إلى 50% من مدخوله الطاقوي من الدهون، ويمثل ذلك زيادة تتراوح بين 15 و30% مقارنة بالفصول الدافئة.
وتختلف هذه النسبة حسب:
- العمر
- الجنس
- مستوى النشاط البدني
- الأمراض المحتملة
- الأيض الفردي
فالشخص النشط أو المعرض كثيرا للبرد تكون احتياجاته عادة أعلى.
العناصر الغذائية الأساسية الأخرى في الشتاء
البروتينات: دعم العضلات
تتطلب الارتجافات وزيادة النشاط العضلي مدخولا كافيا من البروتينات، كما تساهم البروتينات في الحفاظ على المناعة.
مصادر موصى بها:
- اللحوم الخالية من الدهون
- الأسماك
- البيض
- البقوليات
- منتجات الألبان
الكربوهيدرات المعقدة: طاقة مستقرة
تساعد السكريات البطيئة ذات المؤشر الجلايسيمي المنخفض على تثبيت مستوى السكر في الدم وتجنب نوبات التعب، لذا ينصح بتفضيل:
- الأرز الكامل
- المعكرونة الكاملة
- البقوليات
- البطاطا
الفيتامينات: دعم أساسي للأيض
- الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون A وD وE وK : أين تسهل امتصاص العناصر الغذائية وتدعم عملية الأيض.
- فيتامين د ضروري لعمل الغدة الدرقية والمناعة، ومهم جدا في الشتاء بسبب قلة التعرض للشمس وغالبا ما ينصح بالمكملات خصوصا لدى:
- النساء الحوامل
- كبار السن
- النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث
- فيتامينات B وC: تشارك في إنتاج الطاقة، وفي حسن عمل الجهاز العصبي والجهاز المناعي.
توصيات عملية لفصل الشتاء
- عدم شيطنة الدهون، بل اختيار مصادرها الجيدة.
- تفضيل غذاء ساخن، مشبع ومتوازن.
- احترام تركيبة بسيطة للطبق:
- نصف الطبق خضروات
- ربع الطبق نشويات
- ربع الطبق بروتينات
- الحد من الإفراط في المنتجات فائقة التصنيع.
- تكييف المدخول الغذائي مع مستوى النشاط البدني.
- استشارة مختص صحي في حال التعب المستمر أو زيادة الوزن غير المفسرة.
إن الرغبة في تناول الدهون خلال الشتاء ليست نزوة ولا خطأ غذائيا، بل تعكس تكيفا طبيعيا للجسم مع البرد وانخفاض الضوء، فالأهم ليس أن نأكل أكثر بل أن نأكل بشكل أفضل.
الكلمات المفتاحية: الشتاء؛ التغذية؛ الدهون؛ الليبيدات؛ الأيض؛ التوليد الحراري؛ الغذاء الشتوي؛ الفيتامينات؛ الشهية؛ الصحة.