صحة جيدة لحياة أفضل

حين يمحو الكحول الذاكرة: فهم حالات فقدان الذاكرة المؤقتوتأثيرها على الدماغ

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
12 أبريل 2026

قد يؤدي شرب الكحول أحيانًا إلى ترك ذكرى ضبابية عن السهرة لكن في بعض الحالات، تختفي الذاكرة تمامًا لعدة ساعات. في اليوم التالي لا يبقى سوى بعض الصور أو الرسائل المرسلة أو روايات الأصدقاء ، وتُعرف هذه الحالات بمصطلح طبي دقيق: الفقدان المؤقت للذاكرة بسبب الكحول  (Black-out) .

ووراء هذه الظاهرة التي تبدو عادية توجد في الواقع آلية عصبية معروفة جيدًا، فبحسب مختصين في تصوير الدماغ يؤثر الكحول مباشرة على المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، إذ يمكن أن يمنع تكوّن ذكريات جديدة، وعلى المدى الطويل قد يؤدي إلى تلف في أنسجة الدماغ.


بعد استهلاك كمية كبيرة من الكحول يعاني بعض الأشخاص من فقدان جزئي أو كلي لذاكرة السهرة، ويكونون واعين، يتحدثون، يمشون ويتفاعلون مع الآخرين، لكنهم لا يحتفظون بأي ذكرى لما حدث.

في الطب يُطلق على هذه الحالة “الفقدان المؤقت للذاكرة بسبب الكحول “، وهي تحدث عندما يعطل الكحول الدوائر الدماغية المسؤولة عن تسجيل الذكريات.

ويشرح أطباء الأشعة أن الكحول تحت تأثيره يعطل المستقبلات المرتبطة بالذاكرة فيستمر الدماغ في إدراك ما يحدث، لكنه يصبح غير قادر على تحويل هذه المعلومات إلى ذكريات طويلة الأمد.

بمعنى آخر يستمر الدماغ في العمل لكن عملية تسجيل الأحداث تتوقف. فتُخزن المعلومات لفترة قصيرة جدًا ثم تختفي.


المنطقة الأكثر تأثرًا بالكحول هي الحُصين (Hippocampe)، وهي بنية صغيرة تقع في مركز الدماغ، وتكمن أهميته في:

  • تحويل التجارب إلى ذكريات طويلة المدى
  • المساهمة في عملية التعلم
  • تنظيم الذاكرة الذاتية

فعندما يعمل الحُصين بشكل طبيعي يلتقط المعلومات من اللحظة الحالية ويُرسخها تدريجيًا في الذاكرة الدائمة، لكن الكحول يعطل هذه العملية.

فالتعرض المتكرر للكحول قد يؤدي إلى ضمور تدريجي في الخلايا العصبية بهذه المنطقة ومع مرور الوقت، قد يتقلص جزء من نسيج الدماغ ويُستبدل بسائل دماغي شوكي، وهو ما يمكن ملاحظته عبر تقنيات التصوير الطبي.

ويرتبط هذا التغير البنيوي بفقدان في المادة الرمادية وهو مؤشر يُلاحظ غالبًا لدى الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من الكحول بشكل منتظم.

حددت أبحاث علم الأعصاب عدة آليات تفسّر حالات فقدان الذاكرة هذه، أين يوجد نظامان كيميائيان في الدماغ يلعبان دورًا أساسيًا:

  1. مستقبلات NMDA : تُعد هذه المستقبلات ضرورية لمرونة التشابك العصبي، وهي الآلية التي تسمح للخلايا العصبية بتقوية ارتباطاتها وتكوين ذكريات جديدة، أين يعمل الكحول على تعطيل وظيفتها والنتيجة: لا تعود عملية تثبيت الذاكرة ممكنة.
  2. الناقل العصبي GABA :يزيد الكحول بشكل كبير من نشاط  GABA، وهو ناقل عصبي يعمل على إبطاء نشاط الدماغ، فهذا التأثير المُثبِّط يقلل من التواصل بين الخلايا العصبية ويُربك الدوائر المرتبطة بالذاكرة.

وبالتالي اجتماع هذين التأثيرين يؤدي إلى توقف عملية تسجيل الذكريات.


تُظهر الدراسات العلمية أن اضطرابات الذاكرة قد تظهر في وقت مبكر نسبيًا، كما تشير بعض الأبحاث إلى أن:

  • صعوبات التذكر قد تبدأ عند مستوى 0.5 غ/ل من الكحول في الدم
  • حالات فقدان الذاكرة الكاملة تصبح أكثر شيوعًا عند حوالي 1.5 غ/ل

وتكون النساء غالبًا أكثر عرضة لهذه الظاهرة، لأن أجسامهن تستقلب الكحول بطريقة مختلفة ، أما لدى الشباب فتُعد هذه الحالات شائعة أيضًا، فقد أظهرت دراسة أُجريت على 2140 مراهقًا أن نحو 20٪ منهم مرّوا بالفعل بحالة فقدان ذاكرة مرتبطة بالكحول.


قد يحدث فقدان ذاكرة معزول بعد استهلاك مفرط في مناسبة واحدة لكن تكرار هذه الحالات يُعد إشارة تحذيرية، لذا يعتبر المختصون بعض العلامات مقلقة مثل:

  • نسيان نهاية السهرة بشكل متكرر
  • الحاجة إلى سماع ما حدث من الآخرين
  • إرسال رسائل أو إجراء مكالمات دون تذكرها
  • التصرف بشكل غير معتاد دون أي ذاكرة للحدث

قد تشير هذه الحالات إلى أن الدماغ يتعرض بشكل متكرر لكميات من الكحول تؤثر سلبًا على الذاكرة، وعلى المدى الطويل يمكن أن يزيد الاستهلاك المفرط من خطر الاضطرابات المعرفية، والإدمان، والأمراض العصبية.

توصي الجهات الصحية بالحد من استهلاك الكحول لتقليل المخاطر على الدماغ والصحة العامة، وتشمل الإرشادات الخاصة بالاستهلاك منخفض المخاطر:

  • تخصيص عدة أيام في الأسبوع دون تناول الكحول
  • تجنب شرب الكحول

كما يمكن أن تساعد نصائح أخرى في تقليل تأثيره على الدماغ مثل:

  • شرب الماء
  • التوقف عن الشرب عند ظهور أولى علامات فقدان السيطرة أو الارتباك

في حال تكرار حالات فقدان الذاكرة، يُنصح بمراجعة مختص صحي لتقييم استهلاك الكحول وتأثيره على الذاكرة.

بالنسبة للكثيرين يُنظر إلى فقدان الذاكرة (Black-out) كأثر جانبي بسيط لسهرة صاخبة لكن من الناحية الطبية، يُعد هذا الأمر خللًا مؤقتًا في وظائف الدماغ، فالكحول يمنع فعليًا تكوّن ذكريات جديدة من خلال تعطيل الدوائر العصبية المسؤولة عن الذاكرة.

وفي ذات السياق فإن فهم هذه الآلية يساعد على إدراك أن هذه الفجوات في الذاكرة ليست أمرًا عابرًا فهي غالبًا أول مؤشر على تأثير عصبي للكحول، حتى قبل ظهور أعراض أكثر وضوحًا.

الكلمات المفتاحية: الكحول، الذاكرة، فقدان الذاكرة المؤقت، الحُصين، الدماغ، فجوات الذاكرة، علوم الأعصاب، الوقاية، الاستهلاك، الصحة الدماغية.