صحة جيدة لحياة أفضل

المهق: مرض وراثي نادر ذو عواقب متعددة

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
22 مارس 2026

خلل في التصبغ ذو أصل وراثي

المهق هو مرض وراثي نادر ينتج عن خلل في إنتاج الميلانين، وهو الصباغ الطبيعي المسؤول عن لون الجلد والشعر والقزحية والشبكية. هذا النقص في الصباغ لا يؤدي فقط إلى بشرة وشعر شديدي البياض، بل يسبب أيضا اضطرابات بصرية قد تكون شديدة. وفي بعض الحالات يكون التأثير مقتصرا على العين فقط.

يتجلى المهق في شكلين رئيسيين:

  • المهق الجلدي البصري  (AOC)، وهو الأكثر شيوعا، ويصيب الجلد والشعر والعينين. ينتقل وفق نمط وراثي متنحٍ أي يجب أن يكون كلا الوالدين حاملين للجين المعيب حتى يظهر المرض عند الطفل.
  • المهق البصري : وهو أقل شيوعا ويرتبط بالصبغي X، ويصيب الذكور بشكل شبه حصري. أما النساء فغالبا ما يكنّ حاملات للجين دون ظهور المرض عليهن.

خطر انتقال المرض يعتمد على التركيبة الجينية لكلا الوالدين.

غالبا ما تكون العلامات واضحة منذ الولادة، ففي الشكل الكلاسيكي يظهر الطفل ببشرة شديدة الشحوب، وشعر أبيض أو أشقر جدا، وقزحية زرقاء فاتحة قد تُظهر أحيانا احمرارا في الحدقة بسبب الشفافية.

وتؤدي قلة التصبغ في العين إلى اضطرابات بصرية مميزة منها:

  • الرأرأة (حركات لا إرادية للعين)
  • ضعف حدة البصر
  • رهاب الضوء (عدم تحمل الضوء)
  • الحول
  • تشوهات في الشبكية والقزحية

وفي الوقت نفسه يؤدي غياب أو نقص الميلانين إلى زيادة الحساسية للأشعة فوق البنفسجية، مما يسرّع شيخوخة الجلد ويرفع بشكل كبير خطر الإصابة بسرطان الجلد.

يعتمد التشخيص في البداية على الفحص السريري من خلال ملاحظة:

  • نقص تصبغ الجلد
  • الشعر
  • واضطرابات عينية

أما عند الرضع تكون الرأرأة غالبا أول علامة تكشف المرض.

كما تُستكمل الفحوصات بـ:

  • فحص الشبكية (بالمصباح الشِقي)
  • تخطيط كهربائية الشبكية
  • التصوير المقطعي البصري (OCT)
  • دراسة تقاطع الأعصاب البصرية

بعد ذلك يسمح الاختبار الجيني بتحديد نوع المهق بدقة، مما يساعد في توجيه المتابعة الطبية.

ترتبط بعض أشكال المهق باضطرابات أخرى كما في متلازمة هيرمانسكي بودلاك، التي تجمع بين المهق واضطرابات تخثر الدم (كدمات ونزيف تلقائي)، وأمراض التهابية مزمنة في الأمعاء، أو تليّف رئوي.

لا يوجد حتى اليوم علاج شافٍ لمرض المهق ومع ذلك توجد عدة تدابير تساعد على تحسين جودة حياة المصابين به.


يحمي الميلانين الجلد بشكل طبيعي من الأشعة فوق البنفسجية، وغيابه يضاعف خطر الإصابة بحروق الشمس الشديدة وسرطانات الجلد لذلك من الضروري:

  • ارتداء ملابس واقية تغطي الجسم، ويفضل أن تكون مضادة للأشعة فوق البنفسجية؛
  • استخدام قبعات واسعة الحواف؛
  • وضع كريمات واقية من الشمس ذات حماية عالية جدا، خاصة على الوجه واليدين؛
  • تجنب التعرض الطويل لأشعة الشمس، خصوصا في المناطق الاستوائية.


تساعد النظارات الطبية المناسبة (غالبا تكون مستقطبة أو ملونة) على تقليل اللابؤرية وقصر النظر أو طوله. كما يُنصح باستخدام وسائل مساعدة مثل العدسات المكبرة، الأجهزة الأحادية، أو الفلاتر الشمسية المتغيرة اللون لتسهيل الحياة اليومية والتقليل من رهاب الضوء.

وفي بعض الحالات يمكن اللجوء إلى جراحة العيون لتقليل الرأرأة أو تصحيح الحول المزعج. ورغم أن هذه العمليات لا تحسن الرؤية بشكل مباشر إلا أنها قد تقلل من إجهاد العين وتُسهّل الاندماج الاجتماعي.


يحتاج الأطفال المصابون بالمهق إلى دعم تربوي مناسب يشمل:

  • وثائق مكبرة؛
  • جلوسا مناسبا داخل القسم؛
  • استخدام أدوات رقمية للتكبير.

كما قد يكون الدعم النفسي ضروريا لمواجهة الصعوبات المرتبطة بالمظهر الخارجي، خاصة في البيئة المدرسية أو في مجتمعات لا تفهم هذا المرض بشكل جيد.


رغم أن المهق مرض نادر عالميا (حوالي شخص واحد من كل 17 ألف)، إلا أن انتشاره أعلى بكثير في إفريقيا جنوب الصحراء خاصة لدى ذوي البشرة السوداء، حيث تصل النسبة إلى حالة واحدة من كل 2000. وفي عدة دول إفريقية يتعرض المصابون بالمهق للوصم الاجتماعي والعنف، بل وحتى لاضطهادات مرتبطة بمعتقدات خرافية.


يتقدم البحث العلمي خاصة في مجال العلاج الجيني. ورغم أن التجارب السريرية لا تزال في بدايتها، فإن هذه المقاربة تفتح آفاقا مستقبلية لإمكانية استعادة جزئية لإنتاج الميلانين أو تحسين بعض الوظائف البصرية لدى المصابين.

يُعد المهق رغم ندرته قضية طبية ونفسية واجتماعية مهمة. ويظل التشخيص المبكر والمتابعة الفردية، والحماية الصارمة من الشمس، وتوفير الوسائل البصرية المناسبة، عناصر أساسية لتحسين جودة حياة المرضى. كما تبقى الأبحاث الجينية ومكافحة التمييز من الأولويات لفهم هذا المرض بشكل أفضل وحماية المصابين به حول العالم.

الكلمات المفتاحية: المهق؛ مرض؛ صحة؛ نادر؛ مبكر؛ بصري؛ مريض؛ جودة؛ وراثي.

إقرأ أيضاً: