
من خلال شيطنة العلاجات التقليدية، تمجيد الصيام، وعود بمكملات “سحرية”، نظريات “إعادة برمجة الخلايا”… تزدهر المعلومات المضللة في مجال السرطان وقد تكون عواقبها مأساوية، وبسبب التأخر في تلقي العلاج، المضاعفات الخطيرة، فقدان فرص الشفاء، وأحيانًا الوفاة يطلق المهنيون الصحيون ناقوس الخطر.
ظاهرة يومية في أقسام علاج الأورام
بالنسبة لأطباء الأورام فإن الواقع واضح كونها أصبحت مشكلة يومية، ففي الاستشارات يواجه الطاقم الطبي بشكل متكرر مرضى متأثرين بمعلومات خاطئة، منتشرة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض المواقع غير المتخصصة. كما أن اعتبار العلاج الكيميائي “غير مفيد” أو خطير، والاعتقاد بأن السكر “يغذي الأورام”، والشك في العلاجات المعتمدة كلها أفكار شائعة عديدة لا تزال راسخة.
كثير من المرضى يرغبون في حذف السكر تمامًا لأنهم قرؤوا أنه يزيد من نمو السرطان، وهذا غير صحيح.
التغذية: بين الحاجة إلى التحكم والانحرافات الخطيرة
في مواجهة المرض يبحث المرضى عن وسائل للتحكم وغالبًا ما تصبح التغذية ملاذًا، حيث يريد المرضى استعادة السيطرة، ويعتقدون أن الأكل مجال يمكنهم التأثير فيه.
لكن الأنظمة الغذائية الصارمة، الصيام المطوّل أو إقصاء مجموعات غذائية كاملة، تعرّضهم لخطر كبير: وهو سوء التغذية.
سوء التغذية: عامل يفاقم التوقعات الصحية
يتسبب نقص المدخول الغذائي في اضعاف الجسم وتبعاته معروفة جيدًا:
- ضعف تحمّل العلاجات
- تقليل جرعات العلاج الكيميائي
- توقف العلاج
- انخفاض فرص البقاء على قيد الحياة
المريض الذي يعاني من سوء التغذية يتحمل العلاجات بشكل أقل، ما يؤثر مباشرة على حالته الصحية.
المكملات الغذائية: خطر مُستهان به
انحراف آخر شائع هو استخدام المكملات الغذائية دون إبلاغ الفريق الطبي، أين ينظر غالبا إلى كل من الفيتامينات، الأعشاب، مستخلصات طبيعية، منتجات تُشترى عبر الإنترنت على أنها آمنة، لكن هذا الاعتقاد خاطئ.
ويوضح أحد أطباء الأورام : ” نشهد كل عام حالات فشل كلوي أو التهابات كبدية ناتجة عن تفاعلات بين المكملات الغذائية وعلاجات السرطان” .
كما أن بعض هذه المكملات تؤثر على طريقة تخلص الجسم من الأدوية عبر الكبد أو الكلى، مما يقلل من فعاليتها أو يزيد من سميتها.
نقص المرافقة الطبية: بيئة خصبة للمعلومات المضللة
تروي سارة 55 سنة، المصابة بسرطان الثدي تجربتها، فبعد انتكاسة مع انتشار المرض سنة 2020، وافقت على إجراء جراحة لكنها رفضت لاحقًا العلاج الهرموني الموجه.
تقول: ”كنت أشعر بضعف شديد وما افتقدته هو المرافقة، نوع من طب الأورام التكاملي المؤطر” ، فتوجهت نحو أساليب غير مثبتة علميًا.
عندما تؤخر الحلول الزائفة العلاجات الحقيقية
غيّرت نظامها الغذائي، حذفت السكر، واعتمدت على عصائر الخضروات. في البداية شعرت بتحسن، لكن بعد عامين تدهورت حالتها، وفي النهاية عادت إلى العلاجات الطبية، وهو سيناريو شائع للأسف.
ويعتبر عامل الوقت أساسي ، إذ أن تأجيل العلاج لأشهر يؤدي إلى فقدان كبير لفرص الشفاء”.
السرطان والانحرافات الطائفية: حدود غير واضحة أحيانًا
مرضى السرطان يُعدّون فئة هشة بشكل خاص.
وغالبًا ما يكونون هدفًا لأشخاص سيئي النية أو جماعات منظمة.
بعض الممارسات تُصنّف بوضوح ضمن الانحرافات الطائفية، مثل “الطب الجرماني الجديد”، الذي طوّره رايك غيرد هامر.
“الطب الجرماني” وعواقبه القاتلة

هذه النظرية، التي تفتقر لأي أساس علمي، تزعم أن السرطان ناتج عن صدمة نفسية غير محلولة، وقد أدت إلى ظهور مفاهيم مثل “الترميز البيولوجي” و“إعادة برمجة الخلايا”، وتَعِد هذه المقاربات بالشفاء دون أي علاج طبي.
وقد أُدين رايك غيرد هامر سنة 2004 بتهمة الممارسة غير القانونية للطب. ووفقًا لهيئة Miviludes، فإن عدة حالات وفاة ارتبطت مباشرة برفض العلاجات التقليدية الذي تشجعه هذه العقيدة.
مأساة إنسانية خلف هذه النظريات
يروي علي قصة زوجته لبنى، فبعد تشخيص إصابتها بسرطان الثدي، استشارت معالجة بالطبيعة والتي قالت لها إن السرطان غير موجود، وأنه مجرد سموم حسب ما ذكره زوجها علي .
عادت لبنى بزيوت عطرية، وعمليات “تطهير”، ونظام غذائي نيئ. لكن حالتها تدهورت بسرعة أين فقدت وزنها، وعانت بشدة وعندما عادت إلى الطب كان الأوان قد فات ، فيما يؤكد علي أن الضحايا ليسوا مذنبين، بل ضحايا لمحتالين.
الروحانية والمعتقدات: عندما يحل الإيمان محل الطب
يتعرض عدد متزايد من المرضى لخطابات تدّعي أن السرطان هو:
- نتيجة صراع عاطفي غير محلول
- علامة على خلل في الطاقة
- “اختبار روحي” يحتاج إلى تطهير
وفي الحالات الأكثر خطورة يتم توجيه بعض المرضى نحو طقوس مثل طرد الأرواح، أو صلوات شفاء حصرية، أو ممارسات يُعتقد أنها “تطرد المرض”. ، وتصبح هذه الممارسات خطيرة عندما تؤدي إلى رفض العلاج الطبي أو تأخيره أو إيقافه.
وتؤكد السلطات الصحية أن عدة حالات وفاة ارتبطت بهذه الانحرافات ذات الطابع الديني الزائف.
اليوغا، التأمل، العلاجات الطاقية: الحذر من الخلط
اليوغا أو التأمل أو العلاج السلوكي الاسترخائي ليست ممارسات خطيرة بحد ذاتها. وعند استخدامها كعلاجات داعمة، يمكن أن تساعد في:
- تقليل القلق
- تحسين النوم
- تخفيف بعض الآلام
- التعايش بشكل أفضل مع العلاجات
لكن المشكلة تظهر عندما يتم تقديمها كعلاج شافٍ قادر على تعويض الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي.
ويؤكد أطباء الأورام أن القول لمريض إن السرطان سيختفي بفضل التأمل هو حرمان له من فرصة علاج حقيقية.
عندما يتحول السعي للراحة إلى فخ علاجي
تستغل بعض الجهات غير الطبية هشاشة المرضى النفسية، فتقدم دورات باهظة الثمن تعد بـ“شفاء شامل”، تجمع بين الصيام، والتأمل المكثف، والعلاجات الطاقية، والابتعاد عن الطب التقليدي.
وأحيانًا يتم تحميل المرضى المسؤولية، فإذا لم يشفوا فذلك لأنهم لم يعملوا على أنفسهم بما يكفي، وهو شكل إضافي من العنف النفسي.
توصيات طبية أساسية
يؤكد المختصون على عدة مبادئ مهمة:
- عدم إيقاف أو تأخير أي علاج دون استشارة طبية
- إبلاغ الطبيب بكل المكملات أو الممارسات البديلة
- الحذر من الخطابات التي تعد بالشفاء “الطبيعي” أو “دون آثار جانبية”
- الاعتماد على مصادر موثوقة مثل: أطباء الأورام ، الهيئات العلمية، الجمعيات المعترف بها
- الحفاظ على تواصل مفتوح مع الفريق الطبي
التوعية لحماية المرضى
في مواجهة السرطان تُعد المعلومات الموثوقة أداة علاجية بحد ذاتها. فمكافحة المرض تعني أيضًا محاربة الأكاذيب المحيطة به.
رغم أن العلم يتقدم، والعلاجات تتحسن لكن تبقى حقيقة واحدة: التخلي عن العلاجات الفعالة يعني التخلي عن فرص الشفاء.
قضية كبرى للصحة العامة
مكافحة السرطان لا تقتصر على المختبرات أو غرف العمليات، بل تمتد أيضًا إلى ميدان المعلومات، وفي عصر تدفق المحتوى الرقمي أصبحت المعلومات الطبية المضللة عامل خطر حقيقي.
أمام السرطان ينقذ العلم الأرواح… بينما تودي بها الأكاذيب.
الكلمات المفتاحية:التضليل الطبي، السرطان، العلاجات الزائفة، المكملات الغذائية، الصيام، الانحرافات، الطائفية، فقدان الفرص العلاجية، علم الأورام، الوقاية، الصحة
إقرأ أيضاً: