
يعد فقدان القدرة على الكلام من أكثر التجارب إيلاما لدى المصابين بمرض شاركو، فإلى جانب الإعاقة الجسدية، يتآكل الرابط مع الآخرين تدريجيا. واليوم تفتح ابتكارات تكنولوجية جديدة أفقا غير مسبوق: تمكين المرضى من التعبير مجددا بصوت يشبه صوتهم الحقيقي.
تقدم إنساني في مواجهة مرض مدمر
طوّر مختبر كيوتاي الفرنسي نظام ذكاء اصطناعي صوتي يحمل اسم ‘’ Invincible Voice’’ “إنفينسيبل فويس”، ويهدف إلى استعادة القدرة على التواصل الشفهي لدى الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام. وقد أُتيحت هذه التقنية مجانا، ليس بوصفها إنجازا تقنيا فحسب، بل كأداة تخدم كرامة الإنسان.
مرض شاركو وتأثيره التدريجي على التواصل
التصلب الجانبي الضموري المعروف أكثر باسم مرض شاركو، هو مرض عصبي تنكسي نادر وغير قابل للشفاء ، وفي فرنسا وحدها يصيب نحو 6000 شخص.
ويتميز المرض بتدهور تدريجي في الخلايا العصبية الحركية مما يؤدي إلى شلل العضلات الإرادية، ولا تقتصر الإصابة على الأطراف فقط، بل تشمل أيضا عضلات الكلام والبلع والتنفس. ومع تقدم المرض يصبح الكلام صعبا ثم مستحيلا، أين يؤدي هذا الفقدان للصوت إلى العزلة فهو يعقد الرعاية الطبية، ويضعف العلاقات الاجتماعية، ويؤثر بعمق في جودة الحياة.
“إنفينسيبل فويس”: ذكاء اصطناعي صُمم للحوار
يبدو مبدأ عمل هذه التقنية بسيطا في الاستخدام لكنه معقد علميا. فمن خلال تسجيل صوتي لا يتجاوز عشر ثوان، يستطيع الذكاء الاصطناعي إعادة إنتاج صوت الشخص بدقة، مع الحفاظ على نبرته وإيقاعه وطريقة أدائه.
عمليا عندما يتلقى المريض سؤالا يقوم النظام بتحليل المحادثة في الوقت الحقيقي ويقترح عدة إجابات محتملة، كما يمكن للمستخدم قبولها أو تعديلها أو رفضها. وبعد اختيار الإجابة يتم نطقها بصوت مرتفع باستخدام صوته الاصطناعي الخاص، وبذلك يعود الحوار أكثر سلاسة ويستعيد التواصل بعده الإنساني.
ابتكار وُلد من تجربة مريض
يقف وراء هذه التكنولوجيا “أوليفييه غوي” وهو رائد أعمال مصاب هو نفسه بمرض شاركو، وقد شارك بشكل فعال في تطوير المشروع، مقدما خبرته كمريض إلى جانب باحثي مختبر كيوتاي.
ويقول: “عندما يفقد الإنسان صوته تصبح علاقته بالآخرين أكثر هشاشة”. ويرى أن مشروع “إنفينسيبل فويس” ‘’ Invincible Voice’’ يجسد نموذجا للذكاء الاصطناعي الموجه لخدمة المصلحة العامة خاصة كونه علم مفيد وعملي يهدف إلى تعزيز الاستقلالية والحفاظ على الروابط الاجتماعية.
ووفقا لـ ”غوي ” فإن أداة تجمع بين التعرف على الصوت وتحليل السياق وإعادة إنتاج صوت مخصص قد تفيد نحو 450 ألف شخص مصاب بالتصلب الجانبي الضموري في العالم.
مختبر كيوتاي: بحث علمي في خدمة المجتمع
تأسس مختبر كيوتاي سنة 2023 بمبادرة من مجموعات CMA CGM وIliad Group وSchmidt Sciences. وهو مختبر بحثي مستقل وغير ربحي يهدف إلى تطوير تقنيات متقدمة في الذكاء الاصطناعي مع مراعاة تأثيرها الاجتماعي، وفي مشروع “إنفينسيبل فويس”، وضع المختبر خبرته العلمية في خدمة حاجة إنسانية ملموسة. وقد اختار إتاحة التكنولوجيا بشكل مجاني، مع البحث عن شركاء صناعيين وشركة ناشئة في المجال الطبي لتحويلها إلى حل يمكن تطبيقه على نطاق واسع.
توصيات طبية وحدود حالية
رغم أن هذه التكنولوجيا تمثل تقدما مهما، فإنها لا تغني عن الرعاية الطبية الشاملة لمرض شاركو. ويؤكد المتخصصون عدة نقاط أساسية:
- ضرورة المتابعة المنتظمة مع طبيب الأعصاب.
- اعتماد رعاية متعددة التخصصات تشمل علاج النطق، والعلاج الفيزيائي، وأمراض الجهاز التنفسي، والتغذية.
- إدخال أدوات التواصل المساعدة مبكرا قبل فقدان القدرة على الكلام بالكامل.
- ضرورة تكييف الحلول التكنولوجية مع القدرات الحركية المتبقية لدى المريض.
الذكاء الاصطناعي الصوتي يمثل دعما مهما، لكنه يظل جزء من مسار علاجي متكامل.
استعادة الصوت… حفاظ على الكرامة
لا يعالج “إنفينسيبل فويس” مرض شاركو، لكنه يعيد قدرة أساسية للإنسان وهي القدرة على التعبير. وفي مرض تتراكم فيه الخسائر تدريجيا، فإن الحفاظ على القدرة على الحوار يغير الحياة اليومية بعمق.
ويذكر هذا الابتكار بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أكثر من مجرد أداة للأداء التقني، فعندما يُصمم بالتعاون مع المرضى ومن أجلهم، يصبح وسيلة لتعزيز الكرامة والاستقلالية والإنسانية.
الكلمات المفتاحية: الصحة، الإنسان، الذكاء الاصطناعي، مرض شاركو، التواصل، الاستقلالية، الابتكار الطبي.
إقرأ أيضاً: