
لطالما ساد اعتقاد أن الذكاء يصل إلى ذروته عند سن العشرين. هذه فكرة خاطئة، متجذرة بعمق، لكنها أصبحت اليوم من الماضي. إذ أظهرت أبحاث جديدة أن عقلنا يصل إلى نضجه الكامل في مرحلة لاحقة بكثير مما كنا نتصور، وهو اكتشاف يطرح تساؤلات حول الأحكام المسبقة المرتبطة بالشيخوخة.
التقدم في العمر مخيف… لكن ليس للأسباب التي نعتقدها
مع التقدم في السن تظهر بعض التغيرات الفيزيولوجية: يقل إنتاج الكولاجين، تضعف العضلات، ويزداد خطر السقوط. على الصعيد الدماغي، تتسارع خسارة الخلايا العصبية قليلاً بعد سن الأربعين، وتصبح الذاكرة العاملة أقل فعالية.
هذه التحولات تغذي الخوف من الشيخوخة. ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة كما قد يظن البعض. يذكر البروفيسور جيلز إي. جيناك (جامعة غرب أستراليا) في مقال له على موقع The Conversation: «بالنسبة للكثير منا، يصل الأداء النفسي إلى ذروته الفعلية بين سن 55 و60 عامًا.»
ما نفقده مبكرًا… ليس الأهم
القدرات المسماة “الخام” مثل سرعة المعالجة، والذاكرة الفورية، وسرعة التنفيذ تبدأ في التراجع منذ العشرينات. لكن هذه المؤشرات لا تعكس الذكاء الحقيقي، فهي لا تكفي لقياس جودة الحكم، عمق التفكير، أو القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة. ويضيف الباحث: «هذا التراجع المبكر يتعلق فقط بالقدرة الخام على المعالجة.»
بعبارة أخرى: قد نصبح أبطأ، لكن غالبًا أفضل.
لفهم الذكاء الحقيقي وسع الباحثون دائرة النظ، أين حللت مجموعة جيناك 16 بعدًا نفسيًا تم اختيارها بعناية، بحيث تكون كل بعد:
- قابل للقياس بدقة،
- ثابت مع مرور الوقت،
- موثق جيدًا من حيث التطور المرتبط بالعمر،
- قادر على التنبؤ بالأداء العملي في الحياة اليومية.
القدرات المعرفية المدروسة
- الاستدلال
- الذاكرة
- سرعة المعالجة
- المعرفة
- الذكاء العاطفي
سمات الشخصية (الخمسة الكبار)
- الانبساطية
- الاستقرار العاطفي
- الضمير المهني
- الانفتاح على التجربة
- القبول والتوافق
تقدم هذه المقاربة رؤية أكثر واقعية لكيفية عمل العقل.
ما تكشفه النتائج: عقلنا ينضج لفترة طويلة
- الذروة العامة بين 55 و60 عامًا: في هذا العمر، تصل الأبعاد الستة عشر مجتمعة إلى أقصى مستوى لها.
- الضمير المهني يصل إلى القمة عند 65 عامًا: الدقة، التخطيط، وضبط النفس تتحسن مع الخبرة.
- الاستقرار العاطفي يصل للذروة عند حوالي 75 عامًا: مع العمر، تصبح ردود الفعل أكثر هدوءًا، ويُدار التوتر بشكل أفضل، وتقل الاندفاعية.
- الاستدلال الأخلاقي والأحكام المعقدة يمكن تحسينها حتى 80 عامًا: النضج يعزز القدرة على التعرف على التحيزات واتخاذ قرارات أكثر توازنًا.
لماذا أفضل القادة ليسوا بالضرورة الأصغر سنًا

الملخص العام يوضح ظاهرة شائعة: المناصب القيادية في الشركات، السياسة، والمؤسسات العامة غالبًا ما يشغلها أشخاص تتراوح أعمارهم بين 50 و70 عامًا، فقوة الناضجين تأتي من مزيج نادر:
- خبرة عميقة
- استقرار عاطفي
- اتخاذ قرارات مدروسة
- القدرة على دمج عدة عوامل
- نضج أخلاقي
وهي صفات لا يمتلكها الشباب بالكامل بعد.
يخلص البروفيسور ”جيناغ”: «بعض القدرات تتراجع، لكن أخرى تتطور، وتصقل هذه القدرات مجتمعة الحكم واتخاذ القرار، وهما عنصران أساسيان للقمة.»
التمييز العمري: مفارقة خطيرة
رغم هذه المميزات، يعاني كبار السن من التمييز في سوق العمل:
- شخص في الخمسينات فرصته في التوظيف نصف فرصة ثلاثيني.
- ثلث فقط من الباحثين عن عمل فوق 50 عامًا يجدون وظيفة.
- كثير من كبار السن لا يعملون ولا يتقاعدون.
الأحكام المسبقة مستمرة: يُنظر إلى كبار السن على أنهم «متجاوزون»، «بطيئون»، «ضعفاء»، «مكلفون»، وهي قوالب نمطية تنفيها البيانات العلمية صراحة.
أين يؤكد البروفيسور: «من الضروري مراجعة سياسات التوظيف والاحتفاظ بالموظفين. وعند كثيرين، التقدم في السن يمثل ميزة مهنية وليس عائقًا.»
التاريخ يثبت: الأعمال العظيمة غالبًا ما تولد عند النضج
بعض الأمثلة البارزة:
التاريخ العربي والإسلامي مليء بالعقول التي بلغت عبقريتها مرحلة النضج.
- ابن خلدون (1332–1406)
- كتب أجزاءً أساسية من مقدّمته، أول رسالة في علم الاجتماع، عن عمر 52 عامًا بعد تجربة سياسية ودبلوماسية طويلة.
- عمله الرئيسي «المقدمة» لم يكن ليظهر بدون هذا النضج الفكري.
- ابن سينا
- رغم براعته المبكرة، كتب تحليلاته الطبية الأكثر دقة في الأربعينات والخمسينات، مع تحديثات للكتاب «القانون في الطب» بعد سن 55.
- البيروني
- قدم مساهماته العلمية في الفلك والرياضيات في الخمسينات، واستمر في الحسابات الفلكية حتى الستينات المتقدمة.
- ابن رشد
- كتب تعليقاته الشهيرة على أرسطو بين سن 50 و60، وهي فترة نضج حكمه الفلسفي.
- موسى بن ميمون
- أعد عمله الرئيسي «دليل الحائرين» عن عمر 57، وهو توليفة ضخمة من الفلسفة، اللاهوت، والطب.
وليسوا استثناءات فالنجاحات المتأخرة كثيرة، كما أن العمر لا يقتل العبقرية، بل يركزها.
ويخلص ”جيناغ”: «التاريخ مليء بالإنجازات التي تحققت في عمر أكبر بكثير مما يعتبره المجتمع العمر الذهبي، فالنضج ليس تراجعًا بل قمة.»
التقدم في السن بشكل أفضل: توصيات طبية أساسية
للحفاظ على القدرات المعرفية بل وتعزيزها:
- تحفيز العقل يوميًا:
- القراءة، التعلم، اللغات
- الألعاب الذهنية
- الأنشطة الفنية
- ممارسة النشاط البدني بانتظام:
- 30 دقيقة مشي سريع يوميًا تحسن تدفق الدم إلى الدماغ
- حماية القلب لحماية الدماغ:
- ضبط الضغط والكوليسترول
- الإقلاع عن التدخين
- تجنب الكسل
- الحفاظ على العلاقات الاجتماعية:
- التفاعل الاجتماعي يحد من تراجع القدرات المعرفية ويقلل خطر الاكتئاب
- اتباع غذاء وقائي:
- النظام المتوسطي غني بـ: أوميغا-3، الألياف، الفواكه والخضروات، الأسماك الدهنية، الزيوت النباتية
- الحفاظ على نوم صحي:
- الدماغ يتخلص من السموم أثناء النوم
الكلمات المفتاحية: العمر؛ كبار السن؛ الذكاء؛ الدماغ؛ الصحة؛ الخبرة؛ الشباب؛ المعرفة.
إقرأ أيضاً: