دراسة تكشف دور الطفرات الجينية المرتبطة بتقدم عمر الأب

لطالما اعتقد أن عمر الأم وحده هو الذي يؤثر في صحة الطفل المنتظر. غير أن سلسلة من الدراسات الحديثة قلبت هذه الفكرة رأسا على عقب. فبحسب باحثين بريطانيين تبدأ جودة السائل المنوي لدى الرجال في التراجع تدريجيا ابتداء من سن الأربعين، ما يؤدي إلى تراكم صامت للطفرات الجينية التي قد تكون لها تبعات على الأبناء.
تراجع قابل للقياس ومثير للقلق
لم تعد الخصوبة الذكورية كما كانت من قبل. فقد حذرت دراسة تحليلية واسعة نُشرت سنة 2022 وأجرتها فرق أمريكية وإسرائيلية من أن متوسط تركيز الحيوانات المنوية لدى الرجال انخفض إلى النصف خلال 45 عاما. ففي عام 1973 كان يُسجل نحو 101 مليون حيوان منوي في كل مليلتر من السائل المنوي، بينما لا يتجاوز هذا الرقم اليوم 49 مليونا.
ويثير هذا الاتجاه العالمي القلق، إذ تسهم عدة عوامل في هذه الأزمة الصامتة للخصوبة الذكورية، من بينها تلوث البيئة، والضغط النفسي، والتدخين، وقلة النشاط البدني، والتعرض للمواد المسببة لاضطراب الغدد الصماء.
دراسة بريطانية توضح آليات الشيخوخة التناسلية
في مطلع أكتوبر نشرت مجلة Nature المرموقة دراسة حددت بدقة المرحلة العمرية التي تبدأ فيها جودة السائل المنوي بالتدهور. وقام فريق من معهد ويلكوم سانغر في المملكة المتحدة بتحليل عينات سائل منوي لـ81 رجلا تتراوح أعمارهم بين 24 و75 سنة، وجميعهم يتمتعون بصحة جيدة.
وباستخدام تقنية تسلسل فائقة الدقة تُعرف باسم NanoSeq ، تمكن الباحثون من تتبع تراكم الطفرات الجينية داخل الخلايا الجذعية المنتجة للحيوانات المنوية، وهي بمثابة المصانع الحقيقية لإنتاجها.
وكانت النتيجة واضحة وهي أن التقدم في عمر الرجل يرافقه تزايد تدريجي في عدد الطفرات الجينية. وقال البروفيسور مات هيرلس، مدير معهد ويلكوم سانغر:” تكشف نتائجنا عن خطر جيني خفي يزداد مع تقدم عمر الأب، فبعض التغيرات في الحمض النووي تظهر مباشرة داخل الخصيتين، ما يزيد من احتمال نقل طفرات قد تكون ضارة إلى الأبناء.”
منعطف الأربعين: سن مفصلية
وقد حددت الدراسة نقطة تحول تقارب سن 43 عاما، حيث تبدأ جودة السائل المنوي في التراجع بشكل أكثر وضوحا، فلدى الرجال بين:
- 26 و42 عاما: نحو 2٪ من الحيوانات المنوية تحمل طفرات مرضية؛
- 43 و58 عاما: ترتفع النسبة إلى 3٪؛
- 59 و74 عاما: تصل إلى 5٪.
وعند سن السبعين يكون واحد من كل عشرين حيوانا منويا تقريبا حاملا لخلل جيني قد يسبب مرضا، ويقدر الباحثون معدل التراكم بنحو 1.67 طفرة إضافية سنويا، كما تطال هذه الطفرات 13 جينا مرتبطا باضطرابات خطيرة في النمو، ما يزيد احتمال ظهور بعض الأمراض لدى أبناء الآباء المتقدمين في السن بما يصل إلى ألف مرة.
عندما تلعب الطبيعة ضد نفسها
وعلى نحو مفاجئ لا يتم التخلص دائما من الحيوانات المنوية الحاملة للطفرات. بل قد تكون أكثر تنافسية، إذ تنقسم بسرعة أكبر من الحيوانات المنوية السليمة. وهي مفارقة بيولوجية تسمح للخلايا المتحورة بالسيطرة، ما يزيد من خطر انتقالها إلى الجيل التالي.
ويفسر ما يسمى بـ”الانتقاء الجرثومي الإيجابي” سبب استمرار بعض الطفرات المرضية في المجتمع رغم آثارها السلبية.
تداعيات على صحة الأطفال
قد تؤدي الطفرات المرتبطة بتقدم عمر الأب إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض جينية نادرة، خاصة اضطرابات النمو العصبي، والتشوهات القلبية، وبعض المتلازمات الأيضية. ورغم أن هذه الأمراض تظل نادرة، فإن نسبتها ترتفع مع تقدم عمر الأب.
ويؤكد الباحثون: ” تظهر أعمالنا وجود ديناميكية تطورية داخل الخصيتين البشريتين، حيث تساعد بعض الطفرات على انتشارها الذاتي، على حساب الجودة العامة للسائل المنوي.”
الحفاظ على الخصوبة الذكورية: نصائح المختصين
لم يعد الطب التناسلي شأنا نسائيا فقط. إذ يشدد أطباء المسالك البولية وأمراض الذكورة على أهمية الوقاية من شيخوخة السائل المنوي ابتداء من الثلاثينيات.
أهم التوصيات:
- اتباع نظام غذائي متوازن غني بمضادات الأكسدة (الفواكه، الخضر، المكسرات، الأسماك الدهنية).
- تجنب التدخين والكحول والمخدرات، لما لها من تأثير مباشر على الحمض النووي للحيوانات المنوية.
- النوم الكافي وتقليل التوتر المزمن، فهما من أعداء تكوين الحيوانات المنوية.
- ممارسة نشاط بدني منتظم دون إفراط لتحفيز الإنتاج الهرموني.
- الحد من التعرض للمواد المسببة لاضطراب الغدد الصماء (البلاستيك، مستحضرات التجميل، المبيدات).
- حماية الخصيتين من الحرارة (تجنب وضع الحاسوب على الفخذين، والحمامات الساخنة المتكررة، والملابس الضيقة).
- إجراء فحص للخصوبة أو تحليل للسائل المنوي ابتداء من سن الأربعين في حال التخطيط للإنجاب المتأخر.
قضية صحة عامة صامتة
إن تراجع جودة السائل المنوي ليس ظاهرة معزولة، بل يعكس اختلالا أوسع في بيئتنا وأنماط حياتنا الحديثة، ورغم أن التقدم في عمر الأب لا يمنع الإنجاب، فإنه يذكر بأهمية التحضير للأبوة كما يُحضّر للحمل، من حيث العناية بنمط الحياة والمتابعة الطبية.
يختتم البروفيسور هيرلس بالقول: ” أن تصبح أبا في سن متأخرة ليس أمرا بلا عواقب بيولوجية ، فالسائل المنوي هو الآخر يحتفظ بذاكرة الزمن.”
الكلمات المفتاحية: السائل المنوي؛ الخصوبة؛ الصحة؛ الطفل؛ الشيخوخة؛ التناسلية.
إقرأ أيضاً: