اتخذت تركيا في أفريل 2025 خطوة جذرية في سياستها المتعلقة بالصحة الإنجابية، حيث لم يعد مسموحًا لأي عيادة خاصة بإجراء عملية قيصرية دون وجود سبب طبي موثق. هذا القرار الذي نُشر في الجريدة الرسمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الموافق لـ 19 أفريل، يعكس إرادة واضحة من الرئيس رجب طيب أردوغان والمتمثلة في وقف تراجع معدل الخصوبة في البلاد، وتشجيع الولادة الطبيعية.
إصلاح صادم لإعادة تنشيط معدلات الولادة
وهذا القرار لا يطبق حتى الآن على المستشفيات العمومية، لكنه يستهدف ظاهرة آخذة في الانتشار داخل القطاع الخاص، وهي القيصريات المعروفة بـ “الراحة” أو “الولاية القيصرية الاختيارية”، التي يتم برمجتها بناءً على رغبة الأم وليس لأسباب طبية ضرورية.
معدل عمليات قيصرية مقلق: رقم قياسي داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
تسجل تركيا أعلى معدل للعمليات القيصرية بين الدول الـ 38 الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE). ووفقًا لـ “المراجعة العالمية للسكان”، بلغ عدد العمليات القيصرية في عام 2021 حوالي 584 عملية لكل 1000 ولادة حية، أي أن أكثر من نصف الولادات تتم عبر الجراحة، وهو الرقم الذي يواصل ارتفاعه منذ عقد من الزمن، مثيرا القلق في الأوساط الطبية.
ما هي العملية القيصرية ومتى تُعتبر ضرورية؟
العملية القيصرية هي تدخل جراحي كبير يتم فيه إخراج الطفل عبر شق في الرحم. وتُجرى هذه العملية عندما تشكل الولادة الطبيعية خطرًا كبيرًا على الأم أو الجنين.
من الناحية العملية، يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من العمليات القيصرية، حسب الظروف التي تستدعيها:
1. القيصرية الطارئة: على عكس القيصرية المبرمجة مسبقًا، يتم اتخاذ قرار القيصرية الطارئة في اللحظات الأخيرة، سواء بعد بدء المخاض أو قبله، بناءً على تقدير الفريق الطبي في الحالات التي تستوجب إخراج الجنين بشكل عاجل لإنقاذ حياة الأم و/أو الطفل. ويمكن أن تُجرى القيصرية الطارئة في نهاية الحمل أو أثناءه إذا تطلبت الحالة ذلك.وتُجرى القيصرية الطارئة إما تحت التخدير العام أو التخدير الموضعي، بحسب الحالة.
– أبرز دواعي إجراء القيصرية الطارئة:
- وضعية الجنين المقعدية (نزول المؤخرة أو القدمين أولاً)
- مضاعفات الحمل مثل تأخر النمو داخل الرحم، مشكلات في المشيمة، أو خلل خطير في الحبل السري
- اضطرابات في الأوعية الدموية لدى الجنين
- مشاكل تنفسية لدى الأم
- تأخر المخاض أو فشله، ما يسبب معاناة للجنين
- فشل استخدام الأدوات الجراحية (الملقط…)
- الحمل المتعدد
- معاناة الجنين أثناء المخاض
- المشيمة المنزاحة (تغلق عنق الرحم)
- وجود ولادة قيصرية سابقة غير مناسبة للولادة الطبيعية
- كبر حجم الجنين (وزن تقديري يفوق 4 كلغ)
- أمراض مزمنة لدى الأم (ارتفاع ضغط الدم الحاد، عدوى فيروسية كالهربس التناسلي أو فيروس نقص المناعة)
- مضاعفات ما قبل تسمم الحمل
- نزيف في الرحم (مثل حالة المشيمة المنزاحة)
- انفصال المشيمة المبكر
- الاشتباه في تمزق الرحم.
في مثل هذه الحالات، تُعد العملية القيصرية منقذة للأرواح، وهي واحدة من أبرز التقدّمات في طب التوليد الحديث.
2. القيصرية المبرمجة:
يمكن اتخاذ قرار إجرائها بعد التشاور بين الفريق الطبي والوالدين، عندما تُشكّل الولادة الطبيعية خطرًا على الأم أو الطفل أو كليهما. من بين الحالات التي يُوصى فيها بإجراء قيصرية مبرمجة:
- وجود مشيمة منزاحة (حالة خطيرة من غرس المشيمة بشكل غير طبيعي) بدرجات حادة؛
- كِبر حجم الجنين (يزيد وزنه عن 4.5 كلغ)؛
- حالات سابقة لولادات صعبة (تمزق سابق في الرحم، ولادة معقدة، رحم يحمل ندوبًا، أو وجود قيصرية سابقة)؛
- وضعية الجنين المقعدية؛
- إصابة الأم بفيروس نقص المناعة مع وجود تكاثر نشط للفيروس؛
- إصابة الأم بفيروس الهربس التناسلي.
3. القيصرية الاختيارية أو القيصرية للراحة:
تلجأ بعض النساء لطلب عملية قيصرية دون أي سبب طبي، وذلك لأسباب شخصية أو نفسية، مثل: الخوف من الألم، أو وجود صدمة سابقة مرتبطة بالولادة، أو الرغبة في تحديد تاريخ الولادة، أو حتى رفض خوض تجربة الولادة الطبيعية.
في الجزائر، يُوصي المهنيون الصحيون بالاستماع الجيد لهؤلاء النساء وتقديم الدعم النفسي اللازم. أين يجب على الطبيب المختص فهم الأسباب العميقة لهذا الطلب، وتقديم التوجيه المناسب، وشرح المخاطر المرتبطة بالعملية، ثم اتخاذ القرار بالتشاور مع المريضة حول ما إذا كانت القيصرية المبرمجة مبرّرة في حالتها.
لماذا يجب الحدّ من العمليات القيصرية؟ التفسيرات الطبية:
رغم أن القيصرية أصبحت إجراءً شائعًا، إلا أنها ليست عملية بسيطة. فهي جراحة في البطن تُجرى تحت التخدير، وترافقها مخاطر فورية وطويلة الأمد، سواء على الأم أو الطفل:
بالنسبة للأم:
- مخاطر مضاعفات ما بعد الجراحة (عدوى، نزيف)
- آلام مطوّلة وتباطؤ في التعافي
- زيادة المخاطر في الحمل المستقبلي (مثل التصاق المشيمة أو تمزق الرحم)
- تأخر في بدء الرضاعة الطبيعية
بالنسبة للطفل حديث الولادة:
- خطر الإصابة بضيق تنفسي مؤقت
- نقص في انتقال البكتيريا المفيدة التي تُكتسب عند المرور عبر قناة الولادة
- صعوبات في التكيف مع الحياة خارج الرحم
إضافةً إلى ذلك، فإن القيصرية المبرمجة تُفقد الطفل التأثيرات الهرمونية الطبيعية التي يفرزها الجسم خلال المخاض، والتي تساعده على التأقلم مع الولادة.
إجراء يُثير الانقسام: بين الصحة العامة وحقوق النساء
أثار هذا القرار في تركيا موجة من الانتقادات، خاصة من قبل أحزاب المعارضة ومنظمات الدفاع عن حقوق النساء، التي اعتبرت أن القرار تدخلٌ في حرية اختيار المريضات، وتخوفوا من تسييس الصحة الإنجابية وتقويض استقلالية المرأة.
في المقابل، ترى السلطات التركية أن هذا القرار يندرج ضمن إطار الصحة العامة، ويهدف إلى الحدّ من الممارسات الطبية غير الضرورية، وتشجيع الولادات الطبيعية، في ظل تراجع معدل الخصوبة في البلاد.
إصلاح يجمع بين الصحة والديموغرافيا والأخلاق
تُفرض تركيا اليوم نهجًا جديدًا في إدارة الولادات، ومن خلف هذا القرار المثير للجدل، يبرز هدفان رئيسيان:
- تحسين جودة الرعاية الصحية للأمهات؛
- كبح الإفراط في التداخلات الطبية خلال الولادة.
لكن هذا التوجه يطرح سؤالًا جوهريًا: أين يجب أن نرسم الحدّ الفاصل بين الضرورة الطبية والحرية الفردية؟