صحة جيدة لحياة أفضل

التلعثم: علم الوراثة يكشف جانبًا من الغموض

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
7 أكتوبر 2025

يسلّط تقدم علمي كبير الضوء على اضطراب في الكلام لا يزال غير مفهوم بالكامل، يجمع بين الجينات والدماغ والبيئة.

وفي الجزائر كما في أماكن أخرى، يعاني مئات الأشخاص من التلعثم، وهو اضطراب في إيقاع وطلاقة الكلام يعقّد التواصل ويؤثر في الثقة بالنفس والحياة الاجتماعية. لطالما اعتُبر التلعثم مشكلة نفسية أو عاطفية، لكنه يكشف اليوم عن مكوّن وراثي وعصبي حقيقي.

اضطراب شائع لكنه غالبًا غير معروف

وأحدثت دراسة دولية واسعة، نُشرت في مجلة Nature Genetics، ثورة في فهم هذا الاضطراب.

دراسة ضخمة على أكثر من مليون جينوم

حلّل الباحثون بيانات الحمض النووي لمليون مشارك جمعتها شركة 23andMe الأمريكية.

النتيجة: تم تحديد 57 منطقة جينومية مرتبطة بالتلعثم، تعود إلى 48 جينًا محددًا.

وتفتح هذه الاكتشافات عهدًا جديدًا من الفهم البيولوجي للغة، قادرًا على ربط الكلمات التي ننطقها بنشاط خلايانا وبالبنية الدقيقة لأدمغتنا، أين يقول الدكتور Below، الباحث الرئيسي في الدراسة: “التلعثم ليس عيبًا في الشخصية ولا مسألة ذكاء، لذا تؤكد أبحاثنا أنه اضطراب تؤثر فيه جيناتنا ومن خلال فهم هذه الآليات، سنتمكّن من تحديد الأطفال الأكثر عرضة له في وقت مبكر وتقديم الدعم المناسب لهم.”

يظهر التلعثم عادة بين عمر 2 و5 سنوات، وهي فترة حرجة في تطور اللغة، كما يتجلّى في:

  • تكرار الأصوات أو المقاطع (مثل: “أأأريد”)
  • إطالة الأصوات (“مممممكن”)
  • أو توقف الصوت تمامًا (“بـ…بابا”)

وقد ترافق هذه الانقطاعات توترات عضلية أو حركات لا إرادية في الوجه أو الجسم، تعبيرًا عن الجهد المبذول للنطق.

كما أظهرت أبحاث علوم الأعصاب أن الأطفال الذين يعانون من التلعثم لديهم اختلافات في نشاط الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن التخطيط الحركي والإدراك السمعي وتنسيق اللغة.

ولا تقتصر الجينات المرتبطة بالتلعثم على الكلام فقط، بل يبدو أنها مرتبطة أيضًا بسمات عصبية ومعرفية أخرى مثل:

  • التوحّد
  • الاكتئاب
  • القدرات الموسيقية

ويقول الدكتور Below: “لطالما اعتقدنا أن الكلام واللغة والموسيقى مجالات منفصلة، لكن البيانات الجينية تشير إلى أنها تشترك في بنية دماغية واحدة تعتمد على شبكات عصبية متشابهة.”

كما لاحظ الباحثون روابط مع صفات استقلابية وغدد صماء وقلبية ودورانية، ما يوحي بأن التلعثم جزء من منظومة بيولوجية متكاملة يتفاعل فيها الدماغ والجسم والجينات بشكل وثيق.

قد يكون التلعثم عند الأطفال الصغار مؤقتًا ويختفي مع نضج اللغة، لكن عند نحو 25 إلى 35% من الأطفال يستمر ويصاحبهم حتى مرحلة البلوغ، كما تشمل عوامل الخطر:

  • وجود تاريخ عائلي للتلعثم
  • كون الطفل ذكرًا (الذكور أكثر عرضة)
  • مدة استمرار الاضطراب
  • مسار تطوره مع الوقت

عمومًا يعاني نحو 1% من سكان العالم من التلعثم، أي عشرات الملايين من الأشخاص.

لا يسبّب الضغط النفسي أو الخجل التلعثم، لكنه قد يزيد من حدته، أين يمكن أن يؤدي التعب وسرعة الكلام والمواقف الاجتماعية المعقدة أو الضغط الدراسي إلى تفاقم التوقفات في الكلام.

كما يشير الباحثون إلى وجود تفاعل بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية، ما يفسر لماذا يتوقف بعض الأطفال عن التلعثم تلقائيًا بينما يستمر آخرون.

عندما يلاحظ الوالدان تلعثم طفلهم، من الضروري التدخل مبكرًا دون تهويل، كما أن خطوات بسيطة قد تحدث فرقًا:

  • التحدث ببطء مع التوقف قليلًا بين الجمل
  • الاستماع باهتمام دون مقاطعة أو إكمال الجمل
  • تقليل الأسئلة والاكتفاء بتعليقات مشجعة
  • تهيئة جو هادئ دون ضغط على الطفل ليتكلم بطلاقة
  • تخصيص لحظات اهتمام فردية لتعزيز ثقته بنفسه

ويجب تجنّب نصائح مثل “اهدأ” أو “تنفس” أو “كرر ببطء”، إذ غالبًا ما تزيد من توتر الطفل.

يُنصح بمراجعة أخصائي النطق (الorthophoniste) إذا:

  • استمر التلعثم لأكثر من 6 أشهر
  • وُجدت سوابق عائلية للتلعثم
  • أظهر الطفل غضبًا أو خجلًا أو تجنّب الكلام
  • شعر الوالدان بالقلق تجاه الوضع

أين يقوم الأخصائي بتقييم طبيعة التلعثم وأثره على التواصل ويضع خطة علاجية مناسبة، كما تهدف العلاجات إلى تحسين طلاقة الكلام، وتقليل الخوف من التلعثم، وتعزيز تقدير الذات.

التكفّل المبكر ويفضّل قبل سن الخامسة، يقدّم أفضل النتائج.

أحدثت الاكتشافات الحديثة في علم الوراثة نقلة نوعية نحو مقاربات جديدة في التشخيص والعلاج:

  • الكشف المبكر عن الأطفال المعرضين للتلعثم عبر التحاليل الجينية.
  • تدخلات علاجية موجّهة حسب الملف العصبي لكل مريض.
  • برامج وقائية في المدارس والأسر.

وعلى المدى الطويل قد يتيح فهم التلعثم على المستوى الخلوي والجزيئي تطوير علاجات شخصية، بل وربما علاجات جينية لتصحيح بعض الخلل.

كما لا يعدّ التلعثم مجرد اضطراب في النطق، بل هو أيضًا تجربة نفسية عميقة، لذا يمكن أن تترك مشاعر الخجل، والخوف من الحكم، والسخرية أثرًا دائمًا على تقدير الذات.

ومن هنا تبرز أهمية توعية المحيطين والمدارس والمجتمع بحقيقة هذا الاضطراب، لكسر العزلة وتعزيز التواصل الشامل والداعم.

  • التلعثم اضطراب عصبي نمائي ذو مكوّن وراثي.
  • يصيب 5 إلى 8% من الأطفال في سن ما قبل المدرسة و1% من البالغين.
  • مرتبط باختلافات في دوائر الدماغ المسؤولة عن الكلام وبـ 48 جينًا محددًا.
  • التكفّل المبكر بالعلاج لدى أخصائي النطق يحسّن بشكل ملحوظ من التوقعات المستقبلية للحالة.
  • يظلّ الدعم العاطفي وبيئة متفهّمة ومساندة عنصرين أساسيين في العلاج.

تُغيّر هذه الاكتشافات المهمة نظرتنا إلى التلعثم، فلم يعد يُرى كضعف أو عيب، بل كظاهرة بيولوجية معقّدة عند تقاطع الوراثة والدماغ والتجربة الإنسانية. ومن خلال رفع الستار عن جانب من غموض هذا الاضطراب، يعيد العِلم الأمل والكرامة والآفاق لمن لم تفقد كلماتهم المترددة يومًا قيمتها.

الكلمات المفتاحية: التلعثم؛ اللغة؛ اضطراب؛ وراثة؛ بيولوجي؛ الدماغ.

إقرأ أيضاً: