
لماذا يكتفي بعض المدخنين بسيجارة أو اثنتين يوميًا بينما يستهلك آخرون علبة كاملة بسرعة؟ لا يرتبط الجواب بقوة الإرادة وحدها، بل يكمن جزئيًا في الحمض النووي.
اكتشاف يغيّر زاوية النظر
وكشفت دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications أن طفرة نادرة في جين CHRNB3 ترتبط بانخفاض استهلاك التبغ. ويبدو أن هذا التغير الجيني يمنح حماية جزئية ضد الإدمان على النيكوتين، وحتى الآن ركّزت أبحاث جينات الإدمان أساسًا على عوامل الخطر. أما هذه المرة فقد اعتمد العلماء مقاربة معاكسة: البحث عن عوامل الحماية.
ثقل العوامل الوراثية في الإدمان
تشير دراسات علم الأوبئة الجيني إلى أن الحمض النووي يساهم بنحو 50٪ من خطر الإدمان على التبغ أو الكحول، أما النصف الآخر فيرتبط بعوامل بيئية، مثل:
- الوسط العائلي والاجتماعي
- التعرض المبكر للتبغ
- الضغط الثقافي
- سياسات الصحة العامة
لذلك فالإدمان ليس بيولوجيًا خالصًا ولا سلوكيًا بحتًا، بل هو نتيجة تفاعل معقّد بين الاستعدادات الجينية والبيئة المحيطة.
جين CHRNB3 في صلب الآلية
يقوم جين CHRNB3 بترميز وحدة فرعية من مستقبلات الأستيل كولين النيكوتينية، وتوجد هذه المستقبلات في الدماغ، خاصة في دوائر المكافأة. وعند استنشاق النيكوتين يرتبط بهذه المستقبلات مما يؤدي إلى إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالشعور بالمتعة وتعزيز السلوك. هذا المسار يشجع على تكرار الاستهلاك.
الطفرة التي تم تحديدها تُحدث تعديلًا طفيفًا في بنية المستقبل، ما يؤدي إلى إضعاف الاستجابة الدماغية للنيكوتين. وبالتالي يقل الشعور بالمتعة، ويتراجع الدافع للاستهلاك.
دراسة واسعة النطاق
قام باحثون من مركز ريجينيرون لعلم الوراثة، بالتعاون مع الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك وجامعة أكسفورد، بتحليل البيانات الجينية لنحو 38 ألف مدخن مكسيكي، وتمكنوا من تحديد طفرة نادرة في جين CHRNB3 ترتبط بشكل ملحوظ بانخفاض استهلاك السجائر.
حاملو هذا التغير الجيني يتميزون بـ:
- إدمان أقل حدة
- استهلاك يومي أقل
- احتمال أقل للتدخين المكثف
هذه الطفرة نادرة في عموم السكان، لكن تأثيرها واضح إحصائيًا.
مقاربة مبتكرة في علم وراثة الإدمان
تقليديًا تسعى الأبحاث إلى تحديد الجينات التي تزيد خطر الإدمان لفهم عوامل الهشاشة، أما في هذه الدراسة فقد بحث العلماء عن متغيرات جينية ترتبط باستهلاك أقل، أي أنهم درسوا المقاومة البيولوجية للإدمان، وقد تفتح هذه المقاربة الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة.
نحو علاجات مخصّصة؟
فهم كيفية تقليل هذه الطفرة للإدمان قد يلهم تطوير أدوية تستهدف الآليات العصبية البيولوجية ذاتها.
ويهدف ذلك إلى:
- تقليل تنشيط المستقبلات النيكوتينية
- خفض التعزيز الدوباميني
- الحد من “الرغبة القهرية” في التدخين
أما مستقبلاً قد تدمج الطبابة المخصّصة المعطيات الجينية لتكييف استراتيجيات الإقلاع عن التدخين.
ما الذي لا يعنيه هذا الاكتشاف؟
- لا يعني هذا أن الإدمان تحدده الجينات وحدها.
- ولا يبرر إجراء فحوصات جينية روتينية.
- فالطفرة نادرة، ومعظم المدخنين لا يحملونها.
- والأهم أن البيئة تظل عاملًا حاسمًا.
يبقى التبغ عاملًا رئيسيًا في أمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجهاز التنفسي، والسرطانات، بغض النظر عن الملف الجيني.
توصيات طبية
بغض النظر عن الاستعداد الوراثي يبقى الإقلاع عن التدخين أولوية، لذا يوصي المختصون بـ:
- مرافقة طبية خلال الإقلاع
- استخدام بدائل النيكوتين (لصقات، علكة، أقراص مصّ)
- علاجات دوائية مناسبة عند الحاجة
- متابعة سلوكية أو نفسية
- تجنب المحفزات المرتبطة بالتدخين
فكلما كان التدخل مبكرًا، زادت فرص النجاح، وعند الشباب تكتسب الوقاية أهمية خاصة، لأن دماغ المراهقين أكثر حساسية لتأثيرات النيكوتين.
تقدم علمي واعد
يوفر هذا الاكتشاف فهمًا جديدًا للآليات البيولوجية للإدمان، ويظهر أن بعض الأفراد يتمتعون دون علمهم بحماية جينية جزئية ضد إدمان التبغ. ويؤكد أن الإدمان مرض معقّد يتداخل فيه البيولوجي والبيئي والسلوكي.
كما أن فهم هذه الآليات لا يغني عن الوقاية، لكنه يفتح آفاقًا علاجية مبتكرة في مواجهة أحد أبرز أسباب الوفاة التي يمكن تجنبها عالميًا.
الكلمات المفتاحية: التبغ، النيكوتين، الإدمان، الجينات، CHRNB3، مستقبلات نيكوتينية، الوقاية، الإقلاع عن التدخين، الصحة العامة.
إقرأ أيضاً: