صحة جيدة لحياة أفضل

الاحتباس الحراري: عندما تؤجج زيادة درجات الحرارة شهيتنا للسكر

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
14 سبتمبر 2025

مما لا شك فيه أننا نعرف بالفعل آثار الاحتباس الحراري على الزراعة: انخفاض الغلة، تراجع القيمة الغذائية للحبوب، تكاثر الطفيليات، واضطرابات في سلاسل الإمداد. لكن هناك تهديد جديد يتشكل وهو أكثر خفاءً: التأثير المباشر لارتفاع درجات الحرارة على سلوكنا الغذائي.

حلل باحثون من بريطانيا، الولايات المتحدة والصين أكثر من خمسة عشر عاماً من بيانات مشتريات الأسر الأمريكية (2004-2019). وجاءت نتائجهم التي نشرتها مجلة Nature Climate Change واضحة وهي أنه كلما ارتفعت الحرارة زاد استهلاكاتنا للمنتجات الغنية بالسكريات المضافة. فلكل درجة مئوية إضافية يزداد استهلاك الفرد بمعدل 0.7 غرام من السكر يومياً.

لماذا تدفعنا الحرارة لاستهلاك المزيد من السكر؟ تتداخل عدة آليات:

  • عوامل فسيولوجية: تحت تأثير درجات الحرارة المرتفعة، يبذل الجسم مزيداً من الطاقة للحفاظ على استقرار حرارته الداخلية. التعب والجفاف يحفزان البحث عن أطعمة سهلة وسريعة الامتصاص، والمنتجات السكرية تلبي هذا الاحتياج الفوري للطاقة.
  • عوامل سلوكية: الحرارة غالباً ما ترتبط بالمشروبات الباردة، المثلجات، العصائر والمشروبات الغازية، وهذه المنتجات تحتوي على نسب عالية من السكريات المضافة، وسهولة الحصول عليها وجاذبيتها المنعشة تزيد استهلاكها.
  • عوامل نفسية: السكر يعمل كـ”راحة فورية”، تقلل مؤقتاً الشعور بعدم الارتياح الناتج عن درجات الحرارة القصوى.
  • عوامل بيئية: خلال فترات الطقس القاسي، يصبح الوصول إلى منتجات طازجة (فواكه، خضار، لحوم خفيفة) أصعب، فيلجأ المستهلكون إلى المنتجات الصناعية الغنية بالسكريات.

قد يبدو نصف غرام إضافي من السكر لكل درجة شيئاً تافهاً، لكن عند التوسع في الحسابات:

  • على مدار عام كامل، يمثل ذلك مئات الغرامات الإضافية لكل شخص.
  • وعلى مستوى السكان، يصبح هذا الفائض ضخماً ويزيد الضغط على قطاع الصحة.
  • ومع أنماط الحياة الحالية (الخمول، التوتر)، يمكن أن يفاقم وباء الأمراض الأيضية عالمياً.

يؤدي الاستهلاك الزائد للسكريات إلى مخاطر مثبتة علمياً:

  • السمنة وزيادة الوزن، خصوصاً عند الأطفال والمراهقين.
  • داء السكري من النوع الثاني، الذي يشهد انتشاراً سريعاً على مستوى العالم.
  • ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، والتي تتفاقم بسبب الالتهاب المزمن الناتج عن السكر.
  • أمراض الأسنان، مع زيادة حدوث التسوس منذ الطفولة المبكرة.
  • اضطرابات أيضية مرتبطة بمقاومة الإنسولين.

ويحذر الباحثون أنه في حال استمر الاحتباس الحراري عالميا، قد تزيد هذه الانحرافات الغذائية من اتساع الفجوة الصحية، إذ ستكون الفئات الأكثر هشاشة – غالباً في المناطق الحارة والفقيرة – الأكثر تضرراً.

السكر ليس سوى جانب واحد من مشكلة أكبر:

  • انخفاض الجودة الغذائية للأطعمة: أظهرت عدة دراسات أن المحاصيل المعرضة لمستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون تفقد جزءاً من محتواها من البروتينات والحديد والزنك.
  • نقص توفر الأطعمة الطازجة: الجفاف، الفيضانات والحرائق تعطل الإمدادات وتشجع على استهلاك المنتجات الصناعية.
  • ارتفاع أسعار المواد الأساسية: ما يجعل الغذاء الصحي أقل قدرة على الوصول للفئات محدودة الدخل.

توصيات طبية فردية :

  • الترطيب: تفضيل الماء، ويمكن إضافة نكهات طبيعية (ليمون، نعناع) لتفادي فخ العصائر والمشروبات الغازية السكرية.
  • وجبات خفيفة ذكية: اختيار الفواكه الطازجة الغنية بالألياف والماء بدلاً من المنتجات المصنعة.
  • الوقاية عند الأطفال: تقليل الوصول إلى المشروبات السكرية وتقديم بدائل ممتعة (مياه فوارة، عصائر طبيعية منزلية).
  • المتابعة الطبية: على الأطباء مناقشة استهلاك السكريات مع المرضى المعرضين للخطر (مصابي السكري، ارتفاع الضغط، السمنة) خصوصاً في فترات الحر.
  • حملات توعية حول العلاقة بين المناخ والسكر والصحة.
  • تعزيز وضع ملصقات توضح نسب السكريات المضافة.
  • سياسات ضريبية على المشروبات السكرية وتشجيع الصناعة على خفض محتوى السكر.
  • تحسين البنية التحتية الحضرية لتوفير مياه شرب مجانية خلال موجات الحر.

الاحتباس الحراري قد لا يضعف جودة غذائنا فقط بل يدفعنا أيضاً لاستهلاك المزيد من السكريات، مما يزيد من تفاقم الأمراض المزمنة المنتشرة. وهذا يؤكد ضرورة التحرك على جبهتين: مكافحة التغير المناخي وتعزيز غذاء صحي ومستدام.

وهكذا فإن الحرارة لا تكتفي بتغيير مناظرنا الطبيعية وزراعاتنا، بل تتسلل أيضاً إلى موائدنا وتُعدّل من أيضنا، لذلك فإن فهم هذه الآليات أمر ضروري للتنبؤ بأزمة مزدوجة ” بيئية وصحية ” والوقاية منها.

الكلمات المفتاحية: سكر؛ مناخ؛ تغير؛ صحة؛ أيض؛ صحي؛ بيئة.

إقرأ أيضاً: