صحة جيدة لحياة أفضل

8 مارس: المرأة في قطاع الصحة العالمي والجزائري

حرر : د. سعاد ابراهيمي | دكتورة في الطب
8 مارس 2026

تمثل النساء اليوم غالبية العاملين في القطاع الصحي على مستوى العالم، وهو ما يفترض منطقيا أن يمنحهن دورا محوريا في الحوكمة وصنع القرار في مجال الصحة. ومع ذلك لا يزال هناك تفاوت واضح بين مساهمتهن الأساسية في منظومة الرعاية الصحية وحضورهن المحدود في مناصب القيادة.

على المستوى العالمي تشغل النساء نحو 70 في المئة من الوظائف في قطاع الصحة، وأكثر من 80 في المئة من وظائف التمريض، وما يزيد عن 90 في المئة من مهن القابلات. كما يقدمن جزء كبيرا من الرعاية غير المدفوعة الأجر، ويساهمن على نطاق واسع في الأعمال المنزلية المرتبطة بصحة الأسرة، ويلعبن دورا حاسما في قرارات شراء المنتجات الصحية واستخدامها.

ولا يقتصر دور النساء في الصحة على العمل المهني فقط، بل يتجاوز ذلك بكثير. فهن يشاركن بشكل مباشر في رعاية ما يقارب 5 مليارات شخص حول العالم.

وتُقدّر مساهمتهن الاقتصادية في قطاع الصحة بنحو 3000 مليار دولار سنويا، نصفها تقريبا يمثل عملا غير مدفوع الأجر. ويشمل هذا العمل غير المرئي رعاية أفراد الأسرة، ومرافقة المرضى، والمشاركة في أنشطة الصحة المجتمعية.

ورغم هذه المساهمة الأساسية فإن الاعتراف المؤسسي وإمكانية الوصول إلى مواقع المسؤولية ما زالا محدودين.

على الرغم من الحضور الكبير للنساء في المهن الصحية، فإنهن لا يشغلن سوى نحو 25 في المئة من المناصب القيادية في قطاع الصحة، ولو كان توزيع المسؤوليات متناسبا مع حجم حضور النساء في هذا المجال بافتراض تساوي الكفاءة بين النساء والرجال لكان نحو 70 في المئة من قادة القطاع الصحي من النساء. إلا أن الواقع يظهر العكس إذ يشكل الرجال أقل من 30 في المئة من العاملين في القطاع الصحي، لكنهم يشغلون نحو 75 في المئة من المناصب القيادية.

وتجسد هذه المفارقة ما يسميه المختصون “مفارقة النساء في قطاع الصحة”: فالعامل الصحي النموذجي غالبا ما يكون امرأة، بينما يبقى قائد النظام الصحي في الغالب رجلا.

في العديد من البلدان أصبحت النساء يشكلن غالبية المهنيين الشباب في القطاع الصحي، سواء من الأطباء أو الممرضين أو الصيادلة أو أطباء الأسنان. ومع ذلك فإن تقدمهن نحو المناصب القيادية لا يزال يواجه عدة عوائق من بينها:

  • عدم المساواة في فرص الترقية
  • استمرار الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي
  • محدودية فرص القيادة
  • صعوبة التوفيق بين المسؤوليات العائلية والمسار المهني

ومن المفارقات أنه حتى في بعض المهن التي يشكل فيها الرجال أقلية مثل التمريض، فإنهم يشغلون نسبة كبيرة من مناصب الإدارة.

لا تقتصر القيادة في المجال الصحي على المناصب الرسمية فقط. ففي المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية وداخل المجتمعات المحلية، تلعب النساء دورا محوريا في تنظيم الخدمات الصحية والتثقيف الصحي ومرافقة المرضى.

وغالبا ما تكن وراء مبادرات محلية وبرامج مجتمعية وابتكارات تهدف إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، دون أن يحظين بالاعتراف المؤسسي الكافي.

من جهتها تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تشكل النساء القوة الرئيسية العاملة في الخدمات الصحية وبرامج الصحة العامة.

وفي هذه السياقات تلعب العديد من العاملات الصحيات في المجتمع دورا أساسيا في الوقاية والتوعية الصحية ومتابعة المرضى، غير أن عملهن غالبا ما يبقى غير معترف به بالشكل الكافي، أو منخفض الأجر، وأحيانا تطوعيا بالكامل.

هذا وتطالب العديد من المهنيات في القطاع الصحي اليوم باعتراف عادل بجهودهن، وتقدم مهني منصف، وإمكانية حقيقية للوصول إلى مواقع اتخاذ القرار، حيث أن الاعتراف الكامل بدور النساء في قطاع الصحة لا يمثل مجرد قضية مساواة، بل يعد أيضا مسألة أساسية لتحسين كفاءة أنظمة الصحة وحوكمتها واستدامتها على المستوى العالمي. ومن ثم فإن تمكين النساء من الوصول إلى المسؤوليات بما يتناسب مع حجم مساهمتهن يمثل خطوة أساسية نحو نظام صحي أكثر عدلا وفعالية.

في الجزائر يعتمد قطاع الصحة والبحث العلمي والتكنولوجيا الحيوية إلى حد كبير على خبرة النساء والتزامهن. وعلى مدى العقود الماضية فرضت النساء أنفسهن كفاعلات أساسيات في العديد من المجالات الطبية والعلمية والتقنية.

تشكل النساء اليوم الأغلبية في عدة مهن صحية خاصة في مجالات الرعاية الطبية، ومخابر البحث، والصيدلة، والتعليم الطبي، والتخصصات البيولوجية. ويمتد حضورهن من المستشفيات ومراكز العلاج إلى الجامعات ومعاهد البحث ومؤسسات الصحة العمومية. ويعكس هذا التطور التقدم الملحوظ في وصول النساء إلى التعليم والتكوين الطبي والمسارات العلمية.

وقد أصبحت المرأة اليوم تحتل مكانة مهمة في النظام الصحي الجزائري تضاهي إلى حد كبير مكانة الرجل. وقد سمحت السياسات العمومية في مجال التعليم والتكوين لعدد كبير من الطالبات بالالتحاق بالتخصصات الطبية وشبه الطبية.

وتستفيد العديد من المهنيات اليوم من:

  • اعتراف مهني متكافئ
  • فرص للتقدم الوظيفي
  • وصول متزايد إلى المسؤوليات الإدارية والعلمية
  • مشاركة فعالة في صنع القرار داخل المؤسسات الصحية

وتشغل النساء مناصب متعددة، مثل أطباء متخصصين، وصيادلة، وعالمات أحياء، وباحثات، وأستاذات جامعيات، ومديرات مؤسسات صحية، ومسؤولات عن برامج الصحة العامة.

تشهد بعض التخصصات الطبية حضورا نسويا قويا من أبرزها:

  • طب النساء والتوليد، حيث يساهمن في تحسين صحة الأم والطفل
  • علم النفس والطب النفسي، وهما مجالان أساسيان في رعاية الصحة النفسية
  • علم الأدوية والصيدلة الاستشفائية، الضروريان لضمان سلامة العلاجات
  • البيولوجيا الطبية والبحث البيوطبي، خاصة في مخابر التحاليل ومراكز البحث

وفي هذه المجالات، تشارك النساء بنشاط في تطوير مقاربات علاجية جديدة، وتعزيز الابتكار العلمي، وتحسين جودة الرعاية الصحية.

لا يقتصر دور النساء على الرعاية الطبية فقط، بل يمتد أيضا إلى البحث العلمي والتكنولوجيا الحيوية في الجزائر، فقد شاركت العديد من الباحثات في مشاريع علمية تتناول:

  • الأمراض المزمنة والتمثيل الغذائي
  • الأمراض المعدية
  • الصحة العمومية وعلم الأوبئة
  • الابتكارات الصيدلانية والبيولوجية

ويعزز عملهن القدرات العلمية الوطنية ويسهم في تطوير المعرفة الطبية الضرورية لتحسين علاج المرضى.

تلعب النساء كذلك دورا أساسيا في برامج الوقاية والتثقيف الصحي، حيث يشاركن في:

  • حملات التلقيح
  • التوعية بالأمراض المزمنة
  • تعزيز صحة الأم والطفل
  • برامج الكشف المبكر عن الأمراض

وتسهم علاقتهن القريبة بالمرضى والأسر في تحسين التواصل الصحي وتعزيز ثقافة الوقاية وأنماط الحياة الصحية.

تعكس الإنجازات التي حققتها النساء في قطاع الصحة بالجزائر عدة مكاسب أساسية منها:

  • توسع فرص الوصول إلى التعليم العالي والدراسات الطبية
  • تزايد حضور النساء في التخصصات الطبية والعلمية
  • المشاركة الفاعلة في البحث والابتكار
  • الإسهام في تكوين الأجيال الجديدة من مهنيي الصحة
  • دور مهم في سير العمل اليومي للمؤسسات الصحية

وتعكس هذه التطورات التحول التدريجي في مكانة المرأة داخل المجتمع وفي القطاعات الاستراتيجية للتنمية الوطنية.

رغم هذه المكاسب يبقى من الضروري مواصلة الجهود لتعزيز حضور النساء في مختلف مستويات النظام الصحي من خلال:

  • دعم وصول النساء إلى مناصب القيادة والحوكمة الصحية
  • تعزيز برامج البحث التي تقودها عالمات
  • تشجيع التوازن بين الحياة المهنية والعائلية
  • دعم التكوين المستمر والابتكار الطبي

ومن شأن هذه المبادرات أن تسهم في إبراز الكفاءات النسوية وتعزيز الأداء العام للنظام الصحي.

تشكل مساهمة النساء في قطاع الصحة بالجزائر اليوم رافعة أساسية للتقدم الطبي والعلمي في البلاد. ومن خلال التزامهن وكفاءتهن وروح المسؤولية التي يتحلين بها، يساهمن بشكل فعال في تحسين جودة الرعاية الصحية وتطوير البحث العلمي.

وتؤكد هذه الديناميكية أن تطور النظام الصحي الجزائري يعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة النساء المهنيات وتميزهن.

الكلمات المفتاحية: المرأة، العالم، الجزائرية، الصحة، الأطباء، الجزائر، البحث العلمي، النساء، التكنولوجيا الحيوية، طب النساء، علم النفس، الصيدلة، البيولوجيا، الدور، النظام.

إقرأ أيضاً: