أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا مقلقًا حول الاستهلاك العالمي للسجائر الإلكترونية. وللمرة الأولى تكشف وكالة تابعة للأمم المتحدة تقديرا دقيقًا مفاده أن أكثر من 100 مليون شخص يستخدمون السجائر الإلكترونية حول العالم، من بينهم ما لا يقل عن 15 مليون مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاما.
وباء عالمي جديد للنيكوتين
وتكشف البيانات عن اتجاه يبعث على القلق وهو أن الشباب أكثر عرضة بتسع مرات لاستخدام السجائر الإلكترونية مقارنة بالبالغين، في البلدان التي تتوفر فيها الإحصائيات. بمعنى آخر السجائر الإلكترونية التي قُدّمت في بداياتها كبديل للتبغ أصبحت اليوم مصدرًا جديدًا للإدمان لجيل كامل.
ويحذر الدكتور إتيان كروغ، مدير قسم محددات الصحة والترويج والوقاية في منظمة الصحة العالمية، قائلا: «السجائر الإلكترونية تغذي موجة جديدة من الاعتماد على النيكوتين. وغالبًا ما تُسوّق على أنها أدوات للإقلاع عن التدخين، لكن في الواقع، هي تجعل الأطفال يدمنون النيكوتين مبكرًا وقد تعرّض عقودًا من التقدم في مكافحة التدخين للخطر».
انخفاض في تدخين التبغ التقليدي… لكن خطرًا جديدًا يلوح في الأفق
وعلى مدى عشرين عاما حققت الجهود العالمية لمكافحة التبغ نتائج ملموسة. فقد انخفض عدد المدخنين من 1.38 مليار شخص عام 2000 إلى 1.2 مليار عام 2024، أي انخفاض بنحو 120 مليون مدخن منذ 2010، ما يمثل تراجعًا نسبيًا بنسبة 27%.
ولأول مرة تشهد بعض مناطق العالم انخفاضًا ملحوظًا في عدد المدخنين من الرجال، كما أصبحت النساء أكثر إقلاعًا عن التدخين. ويُظهر هذا التطور فعالية السياسات العامة، ورفع أسعار التبغ، وحملات التوعية، ومنع الإعلانات تدريجيًا.
لكن هذا الإنجاز ما يزال هشًا، إذ تهدد السجائر الإلكترونية إلى جانب منتجات النيكوتين الأخرى مثل الأكياس التي تُمتص، والسجائر ذات النكهات، والأجهزة المسخّنة بقلب المعادلة.
ويؤكد الدكتور جيريمي فـارار، نائب المدير العام لتعزيز الصحة في المنظمة: «نحو 20% من البالغين ما يزالون يستهلكون التبغ أو منتجات تحتوي على النيكوتين، وبالتالي لا يمكننا التراجع الآن».
استراتيجيات صناعة تستهدف الشباب
تستنكر منظمة الصحة العالمية اعتماد الشركات المنتجة استراتيجيات تسويق عدوانية، تشمل وسائل التواصل الاجتماعي، والمؤثرين، والنكهات الحلوة مثل المانجو، غزل البنات، والفواكه الحمراء بهدف جذب المراهقين. كما تجعل التصاميم الملونة وخطاب “التبخير الآمن” عملية الاستخدام عادية وبسيطة في نظرهم.
لكن على عكس الرسائل الإعلانية، ليست السجائر الإلكترونية خالية من المخاطر، خصوصًا على الشباب إذ:
- يؤثر النيكوتين على تطور الدماغ حتى سن 25 عامًا.
- يعزز القلق، ويزيد من الاعتماد، ويؤثر على النوم.
- قد يسبب التبخير تهيّجًا رئويًا، والتهابًا في المسالك التنفسية، وزيادة في خطر أمراض القلب.
وتُظهر دراسات عدة أن المراهقين الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية هم أكثر عرضة بثلاث مرات لأن يصبحوا مدخنين في مرحلة البلوغ مقارنة بمن لم يجرّبوها.
إدمان مبكر يثير قلق الأطباء
ويرصد الأطباء ارتفاعًا واضحًا في حالات الإدمان على النيكوتين لدى المراهقين. إذ يؤكد كثير من الشباب خلال الاستشارات الطبية أنهم يستخدمون السجائر الإلكترونية “بدافع الفضول” أو “لتقليد الآخرين”، دون إدراك أن كل نفخة تحتوي على تركيزات عالية من النيكوتين.
ويشرح أخصائيو علاج التدخين:«الإقلاع غالبًا أصعب مما يتوقعون، فبعض المراهقين تظهر عليهم بالفعل أعراض انسحابية مثل التهيج، صعوبة التركيز والتوتر».
يزيد استهلاك النيكوتين في سن مبكرة من احتمالية تطوير أنواع أخرى من الإدمان لاحقًا (الكحول، القنب…).
توصيات الخبراء
في مواجهة هذا التوسع المتسارع تدعو منظمة الصحة العالمية الحكومات إلى تشديد التشريعات وتنظيم بيع السجائر الإلكترونية بشكل أفضل، وتتضمن التوصيات:
1. منع الإعلانات والترويج لمنتجات التبخير، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
2. تقييد بيع المنتج للقُصّر عبر تشديد الرقابة في نقاط البيع.
3. الحد من النكهات الجاذبة التي تستقطب المستهلكين الشباب.
4. فرض تحذيرات صحية واضحة على العبوات.
5. تشجيع البحث العلمي حول الآثار طويلة المدى للتبخير.
ويذكّر الأطباء بأن الطريقة الوحيدة الآمنة لتجنب إدمان النيكوتين هي عدم البدء من الأساس.
جيل يحتاج إلى حماية
بعد أن نجح العالم أخيرًا في خفض عدد المدخنين، يعود الاعتماد على النيكوتين بأشكال جديدة، فخلف سحب الدخان المُنكّه للسجائر الإلكترونية، تختبئ تهديدات صامتة: الإدمان المبكر والمستمر، كما أن رسالة منظمة الصحة العالمية واضحة مفادها أنه يجب التحلي بأقصى درجات اليقظة. فمن دون تنظيم صارم وتوعية فعالة، قد تُحوّل السجائر الإلكترونية جيلًا كاملًا إلى مدمنين جدد على النيكوتين.
الكلمات المفتاحية: منظمة الصحة العالمية، الصحة، النيكوتين، التبغ، إلكترونية، التبخير، السرطان، الإدمان
إقرأ أيضاً: