صحة جيدة لحياة أفضل

ما هو مستقبل النباتات الطبية؟

حرر : د. آيت عمار سمير | دكتور في الصيدلة
13 مايو 2025

بين التقاليد العريقة، رهانات الصحة الحديثة، وتحديات التنوع البيولوجي

على مدار آلاف السنين، غذّت النباتات الإنسان، وداوته، وألهمته. وحتى يومنا هذا لا تزال في صميم الممارسات الطبية التقليدية في العديد من مناطق العالم. ومع ذلك في البلدان الصناعية أصبح الطب الحديث يعتمد تقريبًا بشكل كامل على الجزيئات المصنّعة، وهو تطوّر يثير التساؤل : هل ما تزال للنباتات الطبية مكانة في المستقبل؟ هل التخلي عنها يُهدد التنوع البيولوجي، أم أن عودتها القوية باتت وشيكة؟ مجلة “صحتي، حياتي” تقدّم لكم هذه الإضاءة حول هذا الصدد .

يعود استخدام النباتات لأغراض علاجية إلى فجر التاريخ. فقبل ظهور الطبّ العلمي، كانت الملاحظة والتجربة ترشد الإنسان إلى النباتات المفيدة لبقائه، وفي تلك الحقبة لم تكن هناك حدود واضحة بين الغذاء، والعلاج، والشعائر.

ومن المثير للاهتمام أن بعض الحيوانات مثل القردة، تلجأ هي الأخرى إلى استهلاك نباتات معينة لمعالجة نفسها أو لتنظيم خصوبتها حسب الموارد المتوفرة. هذه القدرة على “التطبيب الذاتي”، التي يدرسها علم علم الصيدلة الحيوانية (Zoopharmacognosie)، تشير إلى أن الإنسان الأول ربما استلهم منها، مطوّراً مع مرور الزمن صيدلية حقيقية مبنية على الملاحظة، والتجربة… وأحيانًا على الخطأ.

بدأ التحول الحقيقي مع مطلع القرن التاسع عشر عندما تم عزل المواد الفعالة من النباتات. ففي عام 1805، تم استخراج المورفين من نبتة الخشخاش المنوم، وهي النبتة التي استُخدمت منذ العصر الفرعوني، وكانت تخفف الألم وتهدئ الأطفال.

وبعد عقود ساعدت مادة الساليسين المستخرجة من لحاء الصفصاف على اختراع الأسبرين، الذي أصبح اليوم الدواء الأكثر استخدامًا في العالم بأكثر من 40 ألف طن سنويًا. أين مهدت هذه الاكتشافات الطريق أمام الكيمياء الاصطناعية، مما أتاح تصنيع جزيئات أكثر ثباتًا، واستهدافًا، وفعالية.

رغم هذه الثورة الصناعية، ظلّت النباتات لسنوات طويلة أساس الصيدلة الحديثة، حيث قدّمت جزيئات معقّدة لا يستطيع إنتاجها إلا النظام الطبيعي. ولكن، اليوم، لا تحتوي سوى 3% من الأدوية المُتداولة عالميًا على مواد فعالة مستخرجة مباشرة من كائنات حية.

فلماذا هذا التراجع؟ على الرغم من كونها نشطة بيولوجيًا، إلا أن الجزيئات الطبيعية ليست دائمًا ملائمة للإنسان؛ فهي تحتاج إلى تعديل وتنقية وتكييف. وبسبب هذه الصعوبات، طغت الكيمياء الاصطناعية والتقنيات الحيوية، كونها أكثر ربحًا وأسهل في الحصول على براءات الاختراع.

منذ بداية الألفية الجديدة، تخلّت كبرى المختبرات الصيدلانية عن أبحاث الفحص الشامل للمواد الطبيعية. ويمكن تفسير هذا التوجه بعدة عوامل:

  • المردودية الضعيفة،
  • التشريعات الصارمة المتعلقة بالحصول على الموارد الجينية،
  • الإغراءات الأكبر التي تقدّمها الكيمياء التوليفية.

تُنتج هذه الأخيرة آلاف الجزيئات الاصطناعية داخل المختبر، واستحوذت سريعًا على الميزانيات البحثية، مما أبطأ استكشاف التنوع البيولوجي الغني بحلول علاجية لم تُستغل بعد.

في حين انصرفت الصناعة الصيدلانية الغربية عن النباتات، بقي الطب التقليدي يعتمد بشكل كبير على الموارد الطبيعية. في الصين والهند يستخدم ملايين الأشخاص يوميًا نباتات طبية مأخوذة من الطبيعة. ولكن أقل من 5% من هذه الأنواع يتم زراعتها، بينما تُجمع الغالبية من البرّية.

هذا الضغط مضافًا إليه إزالة الغابات، والتحضّر، والزراعة المكثفة، يُهدد بقاء العديد من الأنواع النباتية. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 70% من سكان العالم ما يزالون يعتمدون على العلاجات التقليدية، في أغلب الأحيان لأسباب اقتصادية أكثر من كونها ثقافية.

في مواجهة هذه التحديات يُصبح الحل المستدام واضحًا: الزراعة المُنظّمة للنباتات الطبية. فمنذ أكثر من 25 عامًا توصي كل من منظمة الصحة العالمية، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والصندوق العالمي للطبيعة، بهذه المقاربة لتفادي استنزاف الأنواع البرية. ويمكن تحويل النباتات المزروعة إلى أشكال دوائية حديثة مثل الكبسولات، والشراب، والمستخلصات القياسية مع المحافظة على التنوع البيولوجي.

وبالتوازي بدأت تتبلور أطر قانونية تضمن الوصول العادل إلى الموارد الجينية، بهدف تقاسم المنافع بشكل عادل، وتمويل جهود الحماية البيئية.

قد يوفّر طب المستقبل تصالحًا بين المعارف التقليدية ومتطلبات العلم الحديث. فمن خلال الجمع بين الزراعة المعقولة، والتقنيات الحيوية الخضراء، واحترام النظم البيئية، قد تعود النباتات لتلعب دورًا رئيسيًا في محاربة الأمراض المزمنة، والعدوى الناشئة، وحتى السرطان.

ولن يكون ذلك مجرّد عودة إلى الجذور بل تطورًا مستدامًا ومدروسًا. ففي عالم ينهار فيه التنوع البيولوجي، تمثل كل نبتة محفوظة وعدًا بعلاج في المستقبل.

الكلمات المفتاحية: علم الصيدلة الحيوانية، النباتات، الصحة، الأعشاب، الصيدلة، الكيمياء الاصطناعية، التكنولوجيا الحيوية