اكتشاف يقلب المفاهيم التقليدية حول الوقاية من داء السكري من النوع الثاني

ماذا لو لم يكن فقدان الوزن هو المفتاح الوحيد لتجنّب الإصابة بالسكري؟ دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Medicine جاءت لتُشكّك في فكرة راسخة منذ عقود: فقدان الوزن ليس شرطًا أساسيًا لعكس مرحلة ما قبل السكري، وهو اكتشاف يفتح الباب أمام استراتيجيات وقاية جديدة لملايين الأشخاص المعرّضين للخطر.
ما قبل السكري.. إنذار مبكر قبل المرض
ما قبل السكري هو ارتفاع طفيف ولكن غير طبيعي في نسبة السكر في الدم (ما بين 1.10 و1.25 غ/ل في حالة الصيام)، وهي مرحلة صامتة غالبًا بلا أعراض تسبق الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
ولطالما كان الخطاب الطبي واضحًا: يجب فقدان الوزن لعكس هذه الحالة، لكن وفقًا للباحثين الذين أجروا هذه الدراسة الجديدة فليست هذه الطريق الوحيدة الممكنة.
يقول مؤلفو الدراسة في تصريحات لموقع The Conversation: “لقد لاحظنا أن ما قبل السكري يمكن أن يدخل في مرحلة الشفاء أي عودة مستويات السكر إلى طبيعتها حتى دون فقدان الوزن.”
ربع المرضى تعافوا دون أن يفقدوا وزنهم
كما تكشف الدراسة أن نحو شخص واحد من كل أربعة ممن اتبعوا برنامجًا يعتمد على تعديل نمط الحياة عبر تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم تمكن من استعادة مستوى طبيعي للسكر في الدم دون أي فقدان ملموس للوزن.
اللافت أن هذه الحالات من “الشفاء دون نحافة” تحمي من الإصابة المستقبلية بالسكري بنفس فعالية الشفاء المصحوب بفقدان الوزن، وهي نتيجة تُشير إلى أن الجسم يمكنه استعادة توازنه الأيضي حتى دون تغيّر ظاهر في الميزان.
المفتاح: مكان تراكم الدهون أهم من الوزن الكلي
يؤكد العلماء أن نوع الدهون ومكان تراكمها أهم بكثير من كميتها الإجمالية. فالدهون الحشوية التي تتجمع حول الأعضاء الداخلية تخلّ بالنظام الأيضي وتزيد مقاومة الإنسولين، أما في المقابل الدهون تحت الجلد أقل ضررًا بل قد تفرز هرمونات تساعد في تنظيم السكر.ويشرح الباحثون: “الأشخاص الذين عكسوا مرحلة ما قبل السكري دون فقدان وزن، نقلوا الدهون الحشوية إلى مناطق تحت الجلد.” بمعنى آخر تغيّرت تركيبة أجسامهم من الداخل حتى وإن ظل وزنهم ثابتًا وكان مؤشر كتلة الجسم لديهم يتراوح بين 27 و32 كغ/م²، أي ضمن فئة الوزن الزائد أو السمنة المعتدلة.
دور التغذية والنشاط البدني
هذا التحول في توزيع الدهون لم يكن مصادفة، بل نتاج تغييرات محددة في نمط الحياة، منها:
- نظام غذائي غني بالأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة، كما في النظام المتوسطي (الأسماك الدهنية، زيت الزيتون، المكسرات).
- ممارسة نشاط بدني منتظم يعتمد على التحمل (المشي السريع، ركوب الدراجة، السباحة).
- تقليل السكريات السريعة والأطعمة فائقة المعالجة.
وهي العادات التي تحسّن حساسية الجسم للإنسولين وتقلل الدهون البطنية، حتى دون فقدان كبير للوزن.
مراقبة السكر في الدم لا الوزن فقط
ويدعو الباحثون إلى إعادة التفكير في استراتيجيات الوقاية، إذ إن التركيز فقط على فقدان الوزن قد يثبط عزيمة المرضى الذين لا يرون نتائج سريعة ويؤكدون: “ينبغي تتبع التقدّم الأيضي وتشجيع إعادة توزيع الدهون كأهداف بحد ذاتها.” ويجمع الأطباء على أن الأهم هو استقرار نسبة السكر في الدم، وتحسين نوعية الدهون في الجسم، والحفاظ على الصحة الأيضية الشاملة.
توصيات طبية
ينصح الخبراء بما يلي:
- فحص مستوى السكر في الدم بانتظام، خاصة بعد سن الأربعين أو في حالة زيادة الوزن.
- اعتماد نظام غذائي متنوع ومضاد للالتهابات: خضروات، بقوليات، أسماك، زيت الزيتون.
- ممارسة النشاط البدني 30 دقيقة على الأقل يوميًا، خمس مرات أسبوعيًا.
- الحصول على قسط كافٍ من النوم، لأن قلة النوم تزيد مقاومة الإنسولين.
- إدارة التوتر المزمن، وهو عامل يُستهان به غالبًا في اضطراب مستويات السكر.
هذه الدراسة لا تنفي فوائد فقدان الوزن على الصحة العامة، لكنها تغيّر زاوية النظر: التحكم في سكر الدم لا يعتمد فقط على الميزان، فالغذاء والنشاط البدني يمكن أن يُحدثا تحوّلًا في الأيض دون تغيير ظاهر في الوزن.
بعبارة أخرى : للوقاية من السكري من الأفضل أن نركّز على ما نأكله وكيف نتحرك، وليس على ما يزن الميزان.
الكلمات المفتاحية: الصحة؛ ما قبل السكري؛ الطب؛ السكري؛ سكر الدم؛ السكر؛ الشفاء.
إقرأ أيضاً: