نظم مجلس الأمة يوم الثلاثاء 10 فيفري 2026 بمقر المؤسسة، يوما برلمانيا خُصص لموضوع حساس واستراتيجي: «زراعة الأعضاء البشرية في الجزائر: الأبعاد الدينية والقانونية والطبية» وقد جرى هذا اللقاء تحت إشراف رئيس مجلس الأمة السيد “عزوز ناصري” بمبادرة من لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني.
يوم برلماني مخصص لقضية إنسانية كبرى
وشهد الحدث حضور العديد من الشخصيات المؤسسية والعلمية، من بينها رئيس المجلس الشعبي الوطني ” إبراهيم بوغالي” ورئيسة المحكمة الدستورية الجزائرية السيدة ”ليلى عسلاوي” ومستشار برئاسة الجمهورية مكلف بالشؤون القانونية، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ورئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ووزيرة العلاقات مع البرلمان، إضافة إلى ممثلين عن وزارة الصحة الجزائرية، وبرلمانيين وأطباء وخبراء.

وكان الهدف واضحا من هذا اليوم وهو فتح نقاش معمق حول مجال طبي حيوي، عند تقاطع الاعتبارات الأخلاقية والدينية والقانونية.
سياق وطني تميزه إنجازات استراتيجية
في كلمته الافتتاحية أشاد رئيس مجلس الأمة ” عزوز ناصري” بعدة مشاريع هيكلية حديثة، لا سيما تدشين منجم غار جبيلات ووضع خط السكة الحديدية تندوف–بشار حيز الخدمة، ووصف هذه الإنجازات بأنها محطات استراتيجية كبرى من شأنها أن تترك أثرا دائما على الأجيال القادمة وتعزز التنمية الاقتصادية الوطنية تحت قيادة رئيس الجمهورية ”عبد المجيد تبون” ، وأكد أن هذه المشاريع تندرج ضمن رؤية شاملة لتنويع الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة، وفاء للأسس التاريخية للدولة الجزائرية.
زراعة الأعضاء… موضوع حساس وحيوي
وعند تطرقه إلى محور اليوم البرلماني شدد رئيس مجلس الأمة على حساسية وأهمية زراعة الأعضاء، باعتبارها ممارسة تمس مباشرة حقوقا أساسية، منها الحق في الحياة، وكرامة الإنسان، وسلامة الجسد.

وجاء تنظيم هذا اللقاء استجابة لإرادة اعتماد مقاربة شاملة تدمج الأبعاد الدينية والقانونية والطبية، بهدف ترسيخ فهم واضح وتأطير الممارسات ورفع الغموض الاجتماعي أو الأخلاقي.
كما جرى التذكير بأن التطور السريع للعلوم الطبية يفرض تأطيرا قانونيا صارما يحقق توازنا بين الضرورة العلاجية ومنع أي انحراف أو استغلال لجسم الإنسان، وأعيد التأكيد على أن مكافحة الاتجار بالأعضاء أولوية مطلقة وأن مشروعية زراعة الأعضاء تقوم على الواجب الدستوري في حماية الحياة وعلى المبادئ الدينية التي تكرس حفظ النفس البشرية.
رؤية اخلاقية قائمة على الحوار بين العلم والدين
أكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى البروفيسور ”مبروك زيد الخير” ضرورة وجود حوار دائم بين العلم والدين، وأوضح أن التقدم الطبي يجب أن يندرج ضمن إطار أخلاقي متين يحمي كرامة الإنسان ويحترم حرمة الجسد مع التشديد على احترام الضوابط الدينية ودور الخبراء الشرعيين والأطباء ومنع أي شكل من أشكال الاستغلال، خدمة لهدف إنساني مشترك هو إنقاذ الأرواح.
زراعة الأعضاء في الجزائر: مسار في تطور
وفي كلمة وزير الصحة التي تلاها الأمين العام للوزارة ” محمد طالحي” تم التذكير بأن زراعة الأعضاء نشاط طبي بالغ الأهمية، إذ تحسن نوعية حياة المرضى وتخفف معاناتهم وتقلل تكاليف العلاج في الخارج. ويعود الإطار القانوني لهذا النشاط إلى سنة 1985 ومنذ ذلك الحين سُجلت تطورات معتبرة خاصة في زراعة الكلى، ونخاع العظم، والكبد، والقرنية وهي عمليات تُجرى حاليا في عدة مؤسسات استشفائية عمومية متخصصة عبر الوطن، وفي إطار التطوير تم إطلاق برنامج وطني بإشراف الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء يشمل توسيع نشاطات الزرع وإعادة بعث زراعة الكبد وإطلاق زراعة القلب وتعزيز التكوين والتعاون الدولي.
تخصص طبي ذو بعد إنساني كبير
كما ذكر رئيس لجنة الصحة البروفيسور ”حبيب دواقي” أن زراعة الأعضاء من أكثر المجالات الطبية حساسية لارتباطها بالأبعاد العلمية والدينية والأخلاقية والقانونية، إضافة إلى كونها أملا لآلاف المرضى ومؤشرا على مستوى تطور المنظومة الصحية، وأوضح أن تطويرها يتطلب إطارا دينيا واضحا ومنظومة قانونية قوية وتنظيما صحيا فعالا وشفافية كاملة في توزيع الأعضاء وتكوينا طبيا مستمرا داعيا إلى استراتيجية وطنية شاملة لتقليص قوائم الانتظار وتعزيز التعاون بين المستشفيات.
مداخلات علمية: الواقع والآفاق
وقدم البروفيسور ”سعيد بوزيري” عرضا حول الأسس الدينية للتبرع بالأعضاء، مؤكدا أنه جائز عند الضرورة القصوى مع احترام الكرامة الإنسانية ومنع أي طابع تجاري، واستعرض الدكتور “نصر الدين مروك” الإطار القانوني الجزائري المنظم لاقتطاع وزرع الأعضاء وشروطه وضماناته.
أما البروفيسور “الطاهر رايان” فقدم حصيلة زراعة الكلى في الجزائر والتحديات التنظيمية والتقنية والحاجة إلى تشجيع التبرع، وذكّر البروفيسور ”كريم بوجمعة” بأن زراعة الكبد علاج مرجعي لبعض الأمراض الخطيرة رغم وجود نقائص في البنية التحتية والتنظيم.
من جهته تناول البروفيسور “ريموند ريدينغ” زراعة الكبد لدى الأطفال مشددا على نقل التكنولوجيا والتكوين المتخصص والتقنيات الجراحية المتقدمة، وعرض البروفيسور ”أحمد ناصر رضوان” نتائج زرع الخلايا الجذعية الدموية والحاجة إلى توسيع المراكز المتخصصة، كما حللت البروفيسورة ”نسيمة بن مرزوقة محفوظي” وضعية زراعة القرنية مبرزة الفجوة بين العرض والطلب والدعوة لتطوير بنوك الأنسجة.
توصيات وتوجهات مستقبلية
أسفرت النقاشات عن توصيات عملية منها:
- إعادة تفعيل وتعزيز صلاحيات الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء
- إنشاء أقطاب استشفائية جهوية متخصصة
- استحداث سجل وطني للمتبرعين
- فرض قواعد أخلاقية وقانونية صارمة
- ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص في الحصول على الزرع
- تكثيف التكوين الطبي المتخصص
توصيات صحية للمواطنين
يعتمد نجاح برامج الزرع أيضا على وعي المجتمع عبر:
- نشر ثقافة التبرع بالأعضاء كعمل تضامني
- تشجيع الحوار العائلي حول الموافقة على التبرع
- الوقاية من الأمراض المزمنة المؤدية لفشل الأعضاء
- اتباع نمط حياة صحي من غذاء متوازن ونشاط بدني والابتعاد عن التدخين
الوقاية تبقى ركيزة أساسية لتقليل الحاجة إلى الزرع.
قضية صحة عمومية وكرامة إنسانية
على هامش اللقاء شددت الدكتورة ”سعاد ابراهيمي” على ضرورة اعتماد رؤية شاملة ومتناسقة لتطوير زراعة الأعضاء في الجزائر، معتبرة أنها ليست مجرد تقنية طبية بل قضية إنسانية وأخلاقية ومجتمعية تمس الحق في الحياة والتضامن وكرامة الإنسان. وأوضحت أن الطلب على الزرع في تزايد بسبب انتشار الأمراض المزمنة وأنه بالنسبة لآلاف المرضى يمثل أحيانا فرصة النجاة الوحيدة.
كما دعت إلى الانتقال من منطق التفكير إلى منطق التجسيد العملي مع تسريع تنفيذ المشاريع المتوفرة. واعتبرت أن إدماج التكنولوجيا الحديثة عامل حاسم إذ تسمح الأنظمة الرقمية بإدارة أفضل لقوائم الانتظار وتتبع الأعضاء وتعزيز التنسيق بين المستشفيات إضافة إلى دور الطب عن بعد والسجلات الوطنية الرقمية.
وأشارت إلى أن الابتكارات البيوطبية والتقنيات الجراحية المتقدمة وتحسين بروتوكولات كبح المناعة تفتح آفاقا واعدة لكنها تتطلب تنظيما عصريا واستثمارات موجهة وتكوينا مستمرا، وختمت بالتأكيد أن تعزيز الإطار القانوني ضروري لكنه غير كاف وحده بل يجب أن يرافقه تجند جماعي وحوكمة صحية فعالة وإرادة حقيقية لتحقيق نتائج ملموسة، واعتبرت أن الجزائر تملك المؤهلات لبناء منظومة زرع حديثة وعادلة وفعالة ويبقى التحدي في هيكلة الجهود وتحويل الاستراتيجيات إلى إنجازات ميدانية في خدمة المرضى وصون كرامة الإنسان.
الكلمات المفتاحية: زراعة الأعضاء، الجزائر، الصحة العمومية، أخلاقيات الطب، الإطار القانوني، التبرع، الزرع الكلوي والكبدي، التكوين الطبي، الاستراتيجية الوطنية.
إقرأ أيضاً: