صحة جيدة لحياة أفضل

القلق: تحديد مؤشر حيوي في الدم.. تقدم مهم في الطب النفسي البيولوجي

حرر : د. فتاح زورة | طبيب نفسي
9 مايو 2026

تقدم علمي طال انتظاره

يعد القلق حالة واسعة الانتشار وقد يكون عابرا ومؤقتا، لكنه قد يتحول أيضا إلى اضطراب مرضي. وحتى وقت قريب، كان تقييمه يعتمد أساسا على الاستبيانات، والمقابلات السريرية، وملاحظة السلوك. أما اليوم فتأتي دراسة جديدة لتحدث تغييرا مهما في طريقة فهم القلق وتقييمه، بعدما تمكن باحثون من تحديد مؤشر حيوي في الدم مرتبط بالقلق، وهو دهن محدد يسمى LPA 16:0

تصف منظمة الصحة العالمية القلق بأنه شعور بخطر وشيك وغير محدد ويرافق هذا الشعور غالبا إحساس بالانزعاج، والتوتر، والاضطراب، والحيرة، وقد يصل أحيانا إلى شعور عميق بالانهيار الداخلي.

ويعد القلق عنصرا مركزيا في العديد من الاضطرابات النفسية، مثل اضطراب القلق العام، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، ورغم تأثيره الكبير على الصحة العامة، لم يكن هناك، إلى غاية الآن، أي مؤشر بيولوجي موثوق يسمح بقياسه بشكل موضوعي.

أشرف على هذه الأعمال كل من البروفيسور “نيكولا توني” و”توماس لاريو” من المركز الاستشفائي الجامعي فودوا CHUV  في لوزان، وقد نشرت النتائج في مجلة Nature Communications، حيث أظهر الباحثون أن دهنا دمويا محددا، وهو LPA 16:0، أو حمض الليسوفوسفاتيـديك 16:0، يرتفع بشكل ملحوظ عند وجود حالة قلق.

 يعد هذا أول مؤشر حيوي بيولوجي قابل للقياس موضوعيا ومرتبط بالقلق.

لا تعد الدهون مجرد مخازن للطاقة، بل تشارك بفعالية في الإشارات الخلوية. فبعضها يؤدي دورا أساسيا في الالتهاب، واللدونة العصبية، والتواصل بين الخلايا العصبية.

وينتمي LPA 16:0  إلى عائلة من الجزيئات المشاركة في تنظيم وظائف الخلايا، ويبدو أن ارتفاع مستواه في الدم يرتبط بآليات دماغية لها علاقة بالتوتر.

للوصول إلى هذا الاكتشاف، ركز الفريق البحثي على خلايا شديدة الحساسية للتوتر، وهي الخلايا الجذعية العصبية البالغة، أين تعد هذه الخلايا نادرة، وهي من بين الخلايا القليلة في دماغ الإنسان البالغ القادرة على الانقسام وتوليد خلايا عصبية جديدة، خصوصا في منطقة الحصين.

ويعد الحصين بنية دماغية أساسية في:

  • الذاكرة
  • تنظيم المشاعر
  • التكيف مع التوتر

وقد لاحظ الباحثون أن تغيرات مستوى LPA 16:0  تؤثر مباشرة في عمل هذه الخلايا، ويشير ذلك إلى وجود رابط بيولوجي بين استقلاب الدهون في الدم وتنظيم الدماغ لحالة القلق.

إلى غاية اليوم كان القلق يخضع حصرا للتقييم السريري، لكن هذا الاكتشاف يضيف بعدا بيولوجيا قابلا للقياس. فقد يتيح مؤشر حيوي في الدم مستقبلا إمكانية:

  • تحسين دقة التشخيص
  • تقييم شدة اضطراب القلق
  • متابعة فعالية العلاج
  • تحديد المرضى المعرضين للخطر

هذا المؤشر لا يعوض التقييم النفسي أو الطب النفسي بل يأتي ليكمله.

تحمل هذه النتائج دلالات مهمة، فإذا ثبت أن LPA 16:0  يؤدي دورا سببيا في القلق، فقد يصبح هدفا علاجيا جديدا، وقد يتم مستقبلا تطوير علاجات قادرة على تعديل مستوى هذا الدهن أو التأثير في مسار الإشارات الخلوية المرتبط به، وهذا قد يفتح الطريق أمام طب نفسي أكثر تخصيصا، يعتمد على بصمات بيولوجية قابلة للقياس.

يمثل هذا الاكتشاف تقدما مهما، غير أن عدة مراحل لا تزال ضرورية من بينها:

  • تأكيد النتائج على مجموعات بشرية واسعة
  • تحديد ما إذا كان ارتفاع LPA 16:0  خاصا بالقلق فقط، أم مشتركا مع اضطرابات نفسية أخرى
  • فهم الآليات الجزيئية الدقيقة المرتبطة به

لذلك يعد هذا الاكتشاف خطوة أولى مهمة، لكنه لا يعني بعد توفر اختبار تشخيصي قابل للاستخدام في الممارسة السريرية اليومية.

في انتظار تطبيقات سريرية ملموسة، تبقى التوصيات الحالية كما يلي:

  1. القلق المستمر يستدعي استشارة طبية.
  2. التشخيص لا يزال يعتمد على مقابلة سريرية منظمة.
  3. تبقى المقاربات المثبتة علميا هي: العلاج النفسي، والعلاجات المعرفية السلوكية، والنشاط البدني المنتظم، وتقنيات التحكم في التوتر، والعلاج الدوائي عند الضرورة.
  4. ينصح بتجنب أي علاج ذاتي أو تناول مكملات دون إشراف طبي.

للمرة الأولى لم يعد القلق يقتصر على كونه تجربة ذاتية أو سلوكية فقط، بل أصبح يظهر أيضا كبصمة يمكن رصدها في الدم، ويمثل تحديد LPA 16:0  كمؤشر حيوي محتمل خطوة حاسمة نحو طب نفسي قائم على أسس بيولوجية قابلة للقياس.

تقدم قد يساهم مستقبلا في تغيير طريقة تشخيص اضطرابات القلق وعلاجها.

الكلمات المفتاحية: القلق، مؤشر حيوي، الدم، LPA 16:0، علم الدهون، الصحة النفسية، الحصين، الخلايا الجذعية العصبية، اضطرابات القلق، التشخيص، البيولوجيا، الطب النفسي.