
يُعد الصرع من أكثر الأمراض العصبية انتشارًا في العالم، ففي الجزائر يُصاب شخص واحد من كل 1000 بالصرع، حيث تشير بيانات المختصين إلى أن الوراثة والتعرض المطول للشاشات من بين العوامل المحتملة المرتبطة به.
ووفقًا للتحليلات يحتل هذا المرض المرتبة الثالثة بين أكثر الأمراض العصبية شيوعًا، بعد الصداع النصفي (الشقيقة) والخرف، كما يتميز الصرع بحدوث نوبات ناتجة عن نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ. ويمكن أن تتخذ هذه النوبات أشكالًا مختلفة مثل: التشنجات، فقدان الوعي، الحركات اللاإرادية، أو اضطرابات حسية.
وتهدف العلاجات المضادة للصرع إلى:
- القضاء على النوبات عندما يكون ذلك ممكنًا
- تقليل تكرارها ومدتها وشدتها
- تحسين جودة حياة المرضى
وفي بعض الحالات يمكن للأطباء علاج السبب الكامن وراء الصرع أو تصحيح العوامل التي تساهم في ظهور النوبات.
أمل جديد للحالات المقاومة للعلاج
رغم التقدم الطبي لا تزال بعض أنواع الصرع مقاومة للعلاج، خاصة متلازمة درافيت، وهي مرض وراثي نادر يظهر غالبًا في مرحلة الطفولة المبكرة ويسبب نوبات متكررة وشديدة.
وقد أظهرت تجربة سريرية دولية، أجرتها جامعة كوليدج لندن ومستشفى غريت أورموند ستريت في لندن، نتائج واعدة لهؤلاء المرضى الصغار، أين اختبر الباحثون دواءً تجريبيًا جديدًا يُدعى “زوريفونيرسن” (zorevunersen)، صُمم لاستهداف السبب الجيني المباشر للمرض.
انخفاض ملحوظ في النوبات
وحللت الدراسة بيانات أطفال مصابين بمتلازمة درافيت شاركوا في التجربة السريرية، أين جاءت النتائج مشجعة للغاية، حيث انخفضت نوبات الصرع لدى الأطفال الذين تلقوا العلاج زوريفونيرسن بنسبة تصل إلى 91%.
كما لاحظ الباحثون:
- تحسنًا مستدامًا في جودة الحياة لمدة ثلاث سنوات
- آثارًا جانبية خفيفة في الغالب
وتشير هذه النتائج إلى أن هذا العلاج قد يمثل خيارًا مهمًا للأطفال الذين يعانون من أشكال شديدة من الصرع المقاوم للأدوية التقليدية.
دواء يستهدف الجين المسؤول مباشرة
يعتمد زوريفونيرسن على آلية مبتكرة، إذ يستهدف السبب الجيني للمرض بشكل مباشر، وفي متلازمة درافيت، يعاني معظم المرضى من خلل في جين SCN1A، وهو جين أساسي لعمل الخلايا العصبية بشكل طبيعي.
وعند هؤلاء المرضى لا تنتج النسخة السليمة الوحيدة من الجين كمية كافية من البروتين، مما يؤدي إلى اضطراب نشاط الخلايا العصبية وزيادة احتمال حدوث النوبات، لذلك يساعد زوريفونيرسن على زيادة إنتاج البروتين من الجين السليم، مما يعيد توازن عمل الخلايا العصبية.
وتندرج هذه المقاربة ضمن العلاجات الجينية أو الموجهة، وهي جيل جديد من العلاجات التي تستهدف الآليات البيولوجية المسببة للأمراض.
كيف أُجريت الدراسة؟
شملت التجربة السريرية 81 طفلًا تتراوح أعمارهم بين سنتين و18 سنة، جميعهم مصابون بمتلازمة درافيت، حيث تم إعطاء العلاج عن طريق البزل القطني، وهو إجراء طبي يتم فيه حقن الدواء في السائل الدماغي الشوكي المحيط بالدماغ والنخاع الشوكي.
وتلقى المشاركون:
- جرعات تصل إلى 70 ملغ من زوريفونيرسن
- إما جرعة واحدة
- أو جرعات إضافية كل شهرين أو ثلاثة أشهر
وقد شهد الأطفال الذين تلقوا جرعة 70 ملغ انخفاضًا في النوبات بنسبة تراوحت بين 59% و91% خلال أول 20 شهرًا من العلاج.
تقدم مهم في علاج الصرع الجيني
ترى البروفيسورة هيلين كروس وهي طبيبة أعصاب أطفال والباحثة الرئيسية في الدراسة، أن هذه النتائج تمثل تقدمًا مهمًا، وأوضحت أن الصرع الجيني الشديد لا يؤثر فقط من خلال النوبات، بل يمتد تأثيره إلى التطور العصبي وجودة حياة العائلات.
وقالت: “أتابع بانتظام مرضى يعانون من أنواع صعبة من الصرع الجيني، حيث تتجاوز آثار المرض النوبات نفسها، وعندما تكون الخيارات العلاجية محدودة، تصبح معاناة العائلات كبيرة”.
وترى أن هذا العلاج قد يساعد الأطفال المصابين بمتلازمة درافيت على عيش حياة أكثر صحة واستقرارًا.
نتائج واعدة تحتاج إلى تأكيد
يشير الباحثون إلى أن الدواء يبدو آمنًا ومقبولًا لدى معظم المرضى، لكن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى تأكيد عبر دراسات أوسع، لذا تجرى حاليًا دراسة من المرحلة الثالثة لتقييم فعالية وسلامة الدواء على عدد أكبر من المرضى.
توصيات طبية لمرضى الصرع
رغم التقدم العلاجي، تبقى المتابعة الطبية المنتظمة ضرورية، وينصح المختصون بـ:
- الالتزام الصارم بالعلاج الموصوف
- تجنب محفزات النوبات مثل قلة النوم أو الكحول
- الحفاظ على نظام نوم منتظم
- استشارة الطبيب فور تفاقم الحالة
أما بالنسبة للأطفال المصابين بأشكال شديدة، يبقى الإشراف الطبي المتخصص في طب الأعصاب ضروريًا لتكييف العلاج وتحسين جودة الحياة.
نحو جيل جديد من العلاجات
يُجسد تطوير زوريفونيرسن التحول نحو الطب الدقيق والعلاجات الموجهة التي تستهدف الأسباب الجينية للأمراض، وإذا أكدت الدراسات القادمة فعاليته فقد يشكل هذا الدواء تقدمًا كبيرًا في علاج متلازمة درافيت وأنواع أخرى من الصرع الجيني.
أما بالنسبة للعديد من العائلات قد يفتح هذا العلاج آفاقًا جديدة نحو تحسين حياة الأطفال المصابين بهذا المرض النادر.
الكلمات المفتاحية: الصرع، متلازمة، درافيت، زوريفونيرسن، نوبات، علم الأعصاب، طب الأطفال، علاج، وراثي، تجربة، سريرية، مرض، عصبي.