صحة جيدة لحياة أفضل

الصحة وشبكات التواصل الاجتماعي: عندما يربك التأثير الخطاب الطبي

حرر : د. محمد الطاهر عيساني | دكتور في الطب
10 مايو 2026

يكفي اليوم أن يفتح الإنسان هاتفه ليجد أمامه نصيحة صحية، عبر فيديو على تيك توك يشرح كيفية فقدان الوزن، أو قصة على إنستغرام توصي بكريم، أو مكمل غذائي، أو منتج للأسنان، بالإضافة الى طبيب، أو صيدلي، أو جراح أسنان يجيب عن أسئلة مباشرة، وآخر يعرض نتائج “قبل/بعد”، فيما يبقى المواطن يشاهد، يستمع، يشارك، وأحيانا يشتري، بل قد يغير أحيانا سلوكه الصحي.

أصبح هذا الأمر ظاهرة عادية بل صار جزء من حياتنا الرقمية اليومية، لكن في مجال الصحة، لا شيء يكون عاديا تماما، ففي الجزائر أيضا تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى نوع من قاعة انتظار افتراضية يبحث فيها المواطن عن تفسير قبل استشارة الطبيب ويقارن الآراء ويسأل إن كان دواء ما خطيرا، أو إن كان عرض معين مقلقا، أو إن كان منتج ما فعالا. هذا الحضور الطبي على الإنترنت يمكن أن يقدم خدمات كبيرة كما يمكنه تقريب المعلومة من المواطن، وتصحيح الأفكار الخاطئة، وتشجيع الكشف المبكر، والتذكير بأهمية الوقاية.

لكنه قد يفتح أيضا الباب أمام خلط خطير وهو خلط بين النصيحة الطبية، والإشهار، والشهرة الشخصية، والمصلحة التجارية.

قد يكون السؤال مزعجا لكنه ضروري ، فمن حق مهني الصحة تماما أن يشرح، ويبسط المعلومات، وينشر الوعي كما يمكنه الحديث عن نظافة الفم والأسنان، والتلقيح، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، والصحة النفسية، والتغذية، أو الوقاية، وفي بلد يفتقر فيه كثير من المواطنين إلى معلومات موثوقة، يمكن أن تكون هذه الكلمة ثمينة.

حين يتحول التبسيط إلى ترويج

تبدأ المشكلة عندما تخرج هذه الكلمة من مجال التربية الصحية إلى مجال الترويج، فعندما يوصي مهني الصحة بعلامة تجارية، أو يبرز منتجا، أو يروج لعيادة، أو يعد بنتائج، أو يربط صورته بعرض تجاري، فإنه لا يتحدث فقط كصانع محتوى. بل يتحدث بوزن مئزره، وشهادته، وسمعته، وهنا تصبح المسؤولية أثقل، لأن المريض لا يتلقى رسالة الطبيب كما يتلقى رسالة مؤثر عادي، فهو يرى فيها ضمانة، وسلطة، بل يكاد يراها وصفة طبية، وحتى عندما يتعلق الأمر بمنتج تجميلي بسيط، أو مكمل غذائي، أو جهاز يقدم على أنه “طبيعي”، فإن الكلمة الطبية قد تحول الإعلان إلى حقيقة ظاهرة.

هناك فرق أساسي بين الشرح والبيع، فالشرح هو أن نقول: “هذه هي العلامات التي يجب أن تنبهكم”، “هذا هو سبب عدم الإفراط في استعمال المضادات الحيوية”، “هذه هي مخاطر التداوي الذاتي”، “هذا هو سبب ضرورة استشارة الطبيب”.

أما البيع فهو أن نقول أو نوحي: “هذا المنتج هو الحل”، “هذه الطريقة تنجح مع الجميع”، “جربوا هذا”، “ستجدون الرابط هنا”.

وفي مجال الصحة هذه الفروق ليست تفاصيل بسيطة، فقد تغير سلوك المريض كما قد تؤخر التشخيص ، وقد تدفع أيضا إلى شراء منتج غير مفيد أو تمنح شعورا زائفا بالأمان أو حتى تبعد المريض عن طبيبه المعالج.

لهذا يجب أن تبقى الكلمة الصحية خصوصا عندما تصدر عن مهني، حذرة، صادقة، ومتزنة، ولا ينبغي أن تعد بأكثر مما يسمح العلم بقوله، كما لا يجب أن تحول حالة خاصة إلى قاعدة عامة ولا أن توهم بأن نصيحة مقدمة عبر شاشة يمكن أن تعوض الفحص السريري.

شبكات التواصل الاجتماعي: انتشار سريع وواسع للمعلومة

في بلادنا تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تداول المعلومات، أين يمكن لإشاعة طبية أن تنتشر بسرعة كبيرة ويمكن لوصفة تقدم على أنها معجزة أن تصل إلى آلاف الأشخاص في بضع ساعات، وقد يصبح فيديو تقريبي أكثر تأثيرا من توصية علمية.

مهنيو الصحة: حضور ضروري لكنه مؤطر

أمام هذا الواقع يصبح حضور مهنيي الصحة الجادين ضروريا، لكن هذا الحضور يجب أن يبقى وفيا لقواعد المهنة.

مهمة قائمة على الثقة لا على الظهور

يمارس الطبيب وجراح الأسنان والصيدلي مهنا قائمة على الثقة، ومهمتهم ليست إغراء الجمهور، بل حماية الصحة ، لذلك يجب أن تبقى كلمتهم مستقلة حتى عندما تنشر على فيسبوك، أو إنستغرام، أو تيك توك، أو يوتيوب.

أخلاقيات المهنة الطبية: مبادئ واضحة وغير قابلة للتفاوض

تذكر أخلاقيات المهنة الطبية في الجزائر بأن الطب وجراحة الأسنان لا ينبغي أن يمارسا كتجارة، كما تمنع أساليب الإشهار المباشر أو غير المباشر، وتؤكد أيضا على كرامة المهنة، واستقلالية المهني، ومسؤولية كل فعل طبي، فهذه المبادئ لا تختفي مع العالم الرقمي بل على العكس تصبح أكثر ضرورة.

يجب أيضا الحديث عن صور المرضى وفيديوهاتهم وشهاداتهم ، فعلى شبكات التواصل الاجتماعي تجذب الصور الانتباه و تمنح الظهور وقد تطمئن مرضى محتملين، لكنها تطرح إشكالا أخلاقيا كبيرا.

تحديد الهوية: خطر غالبا ما يتم التقليل منه

قد يكون الوجه أو الفم أو الندبة أو صورة الأشعة أو غرفة المستشفى أو الصوت أو تفصيل شخصي كافيا للتعرف على شخص ما، وحتى مع موافقة المريض، يجب التساؤل: هل كانت هذه الموافقة حرة فعلا، ومستنيرة، ومفهومة؟ هل يعرف المريض أن صورته قد تتم مشاركتها، أو حفظها، أو نسخها، أو إعادة نشرها بعد سنوات؟ هل يعرف أن الفضاء الرقمي لا ينسى تقريبا؟

السر الطبي: مبدأ أساسي لا تفصيل ثانوي

السر الطبي ليس مجرد قاعدة إدارية بل عقد ثقة، فما يقدمه المريض لمهني الصحة لا يجب أن يتحول إلى عنصر تواصل، ولا إلى أداة ترويج.

تحب شبكات التواصل الاجتماعي العبارات السريعة: “نتيجة مضمونة”، “حل طبيعي”، “علاج ثوري”، “اخسر الوزن دون جهد”، “ابتسامة مثالية في أيام قليلة”. فهذه العبارات قد تبيع لكنها لا مكان لها في تواصل طبي مسؤول.

أما في الصحة لا توجد حلول عالمية تصلح للجميع ، فقد يناسب منتج شخصا ويكون غير منصوح به لشخص آخر، وقد يكون علاج فعالا في حالة محددة وغير مفيد في حالات أخرى، كما أنه من الممكن تمنح عملية تجميلية أو علاج أسنان نتيجة جيدة لمريض، وتكون غير مناسبة لمريض آخر.

لذلك فإن الطب قائم على الفروق الدقيقة، أما شبكات التواصل الاجتماعي فغالبا ما تفضل اليقينيات وهذا التباعد بالضبط هو ما يجب أن ينبهنا.

 لا يتعلق الأمر بإدانة كل مهنيي الصحة الموجودين على الإنترنت، فكثيرون يقومون بعمل مهم ويشرحون ببساطة وينبهون دون تهويل، كما يردون على المعلومات الخاطئة ويذكرون بإجراءات الوقاية وأحيانا يعيدون الثقة إلى مواطنين تائهين وسط التدفق الرقمي.

ضرورة التمييز بين الممارسات المسؤولة والانحرافات : لكن حان الوقت للتمييز بشكل أفضل بين الممارسات الجيدة والانحرافات.

قواعد أساسية لتواصل طبي أخلاقي: ينبغي أن يحترم التواصل الصحي المسؤول بعض المبادئ البسيطة: عدم وصف العلاج عن بعد، عدم الوعد بالشفاء، عدم التوصية بمنتج على أنه مناسب للجميع، عدم إخفاء المصلحة التجارية، عدم تعريض المريض للظهور، وعدم تحويل الاستشارة الطبية إلى عرض.

الجمهور أمام مسؤولياته الرقمية: على الجمهور أيضا أن يتعلم كيف يحمي نفسه فالمحتوى الصحي قد يقدم معلومة، لكنه لا يعوض أبدا التشخيص. والفيديو قد ينبه لكنه لا يعوض الفحص. والتعليق لا يساوي استشارة وكثرة المتابعين ليست دليلا على الكفاءة.

ستستفيد الجزائر من فتح نقاش جاد حول هذا الموضوع، فقد يكون من المفيد وضع ميثاق وطني للممارسات الجيدة الخاصة بمهنيي الصحة على شبكات التواصل الاجتماعي، ولن يكون الهدف منه منع الكلمة الطبية بل حمايتها.

كما يمكن لهذا الميثاق أن يوضح ما يدخل في إطار الإعلام وما يدخل في إطار الإشهار، وما يجب التصريح به، وما يجب منعه، وما يجب أن يبقى سريا بشكل صارم. في حين يمكنه مساعدة مهنيي الصحة الشباب على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي دون الوقوع في الخطأ، ودون إضعاف ثقة الجمهور، فالصحة الرقمية موجودة بالفعل والآن يجب منحها أخلاقيات واضحة.

في العمق يمكن تلخيص كل شيء في فكرة بسيطة: مهني الصحة يبقى مهنيا في الصحة، حتى عندما يتحدث أمام الكاميرا.

الحداثة والتواصل: توازن يجب الحفاظ عليه : يمكنه أن يكون حديثا، حاضرا، مبسطا، وقريبا من المواطنين كما يمكنه استخدام أدوات التواصل الجديدة، وأيضا بإمكانه المشاركة في التربية الصحية للبلاد. لكنه لا ينبغي أن ينسى أبدا أن كلمته لا ترتبط فقط بصورته بل ترتبط بثقة المريض وبكرامة مهنته وأحيانا أيضا بسلامة شخص هش يبحث عن إجابة.

الصحة أمام منطق الظهور الرقمي : وفي عالم يباع فيه كل شيء، ويعرض فيه كل شيء، ويعلق فيه على كل شيء، يجب أن تبقى الصحة مجالا للمسؤولية. يمكن أن تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى أداة رائعة للوقاية لكنها قد تتحول أيضا إلى سوق خطير إذا سمحت الكلمة الطبية لنفسها بأن تبتلعها منطق التأثير.

الرهان الحقيقي: حضور مؤطر ووفاء للأخلاقيات: إذن التحدي الحقيقي ليس منع الأطباء أو الصيادلة، أو جراحي الأسنان من الحضور على الإنترنت بل التحدي الحقيقي هو تمكينهم من الحضور بطريقة مختلفة: بعلم، وحذر، وكرامة، وإنسانية.

يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي أن تساعد في نشر معلومة طبية مفيدة، لكنها قد تسهم أيضا في الخلط بين النصيحة الصحية والإشهار ، لذلك يجب على مهني الصحة أن يبقى حذرا، مستقلا وشفافا في تواصله الرقمي كما يجب أن تحترم صور المرضى، وشهاداتهم، والحالات السريرية السر الطبي وكرامة الشخص بشكل صارم، كما أن أي محتوى منشور على الإنترنت لا يعوض الاستشارة الطبية الشخصية.

الكلمات المفتاحية: المؤثرون، الصحة، شبكات التواصل الاجتماعي، الجزائر، أخلاقيات المهنة الطبية، الإشهار، السر، المعلومة، التربية الصحية، التداوي الذاتي، المنتجات، الأطباء، الصحة العمومية.

إقرأ أيضاً: