
يشكّل قرار إدارة دونالد ترامب تجميد أكثر من 80٪ من برامج المساعدات الدولية للولايات المتحدة منعطفا حادا في مسار مكافحة الأمراض المعدية الكبرى على المستوى العالمي. ففيروس نقص المناعة البشرية وكذا السل والملاريا، إضافة إلى صحة الأمهات، وإمكانية الحصول على مياه الشرب، والبنى التحتية الصحية، كلها مجالات باتت اليوم متضررة بشكل مباشر. ويتحدث الخبراء بالفعل عن مئات الآلاف من الوفيات التي بالإمكان تفاديها، مع مخاوف من حصيلة بشرية أثقل بكثير في السنوات المقبلة.
صدمة مالية غير مسبوقة للصحة العالمية
أُعلن عن هذا التخفيض الكبير في جانفي 2025 بعد أيام قليلة من تنصيب دونالد ترامب، واستهدف بالدرجة الأولى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وبتأثير من توجهات «وزارة الكفاءة الحكومية» التي كان يقودها آنذاك ” إيلون ماسك”، أدت هذه الإصلاحات إلى تجميد 83٪ من برامج الوكالة.
وقبل هذه التخفيضات كانت الولايات المتحدة تؤمّن أكثر من 40٪ من إجمالي المساعدات الدولية العالمية، وهي نسبة لم يضاهها أي بلد آخر. ورغم أن دولا متقدمة أخرى مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة خفّضت بدورها ميزانيات المساعدات، إلا أن حجم التقليص الأميركي يبقى غير مسبوق.
توقف مفاجئ لبرامج الصحة
أما على أرض الواقع كانت العواقب فورية، أين يقول مسؤولون في منظمات غير حكومية تنشط بقوة في إفريقيا: “في العام الماضي كنا لا نزال نصمد بما تبقى، أما اليوم فلم يعد هناك شيء”.
فقد توقفت برامج الوقاية والكشف والعلاج، أو تقلصت بشكل كبير، في عدد واسع من البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، وكانت الفئات الأكثر هشاشة أول من دفع الثمن.
حصيلة بشرية ثقيلة باتت قابلة للقياس
وبحسب أداة Impact Counter، التي طوّرها باحثون من جامعة بوسطن لتقييم آثار السياسات العمومية في الزمن الحقيقي، فإن التخفيضات التي مست الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تسببت بالفعل في أكثر من 750 ألف وفاة، من بينهم نحو 500 ألف طفل.
وتفاصيل هذه الأرقام مقلقة بشكل خاص:
- الملاريا: أكثر من 70 ألف وفاة إضافية؛
- السل: نحو 48 ألف وفاة؛
- فيروس نقص المناعة البشرية: قرابة 170 ألف وفاة، ما يجعله المرض الأكثر تضررا.
وتتوافق هذه الأرقام مع التحذير الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية (ONUSIDA) منذ نوفمبر، حين نبّه إلى أن تقليص التمويل الأميركي قد «يمحو عقودا من التقدم» في مكافحة الفيروس.
تأثر خطير للوقاية والعلاجات
وقد كشف تحقيق أجرته منظمة Coalition Plus، التي تضم أبرز الجمعيات الفرنسية المعنية بمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية عن حجم الأضرار. وشمل التحقيق 79 منظمة غير حكومية في نحو خمسين بلدا وأظهر أن:
- 80٪ من المنظمات المستجوبة خفّضت توزيع علاج الوقاية المسبقة (PrEP) إلى النصف؛
- كما تراجع بشكل كبير الوصول إلى العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية للأشخاص المصابين، ما يهدد استقرار حالتهم الصحية.
وتؤكد إدارة ترامب أنها ما تزال تحافظ على بعض التمويلات التي تعتبرها «استراتيجية»، لاسيما ما يتعلق بإتاحة دواء ليناكابافير، وهو مضاد فيروسات من الجيل الجديد. غير أن الفاعلين الميدانيين يرون أن هذه الاستثناءات لا تعوض إطلاقا الانهيار الشامل في الموارد.
تأثير “جبل الجليد” وتداعياته المنهجية
لا تقتصر الآثار على الأدوية وحدها، فتمويلات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كانت أشبه بجبل جليد: الجزء الظاهر منها يتعلق ببرامج الصحة، لكن جزءا كبيرا كان يموّل أيضا بنى أساسية حيوية مثل مياه الشرب، والصرف الصحي، واللوجستيك، وتكوين الكوادر، والتوعية الصحية.
وتؤكد الباحثة كاترينا مونتي، من معهد الصحة العالمية في برشلونة (ISGlobal)، أن الصحة العمومية تقوم على منظومة مترابطة. وتقول: “إذا أزلت قطعة واحدة، يتعطل كل شيء”.
ويقدّر معهد ISGlobal أن أكثر من 22 مليون وفاة كان يمكن تفاديها قد تسجل بحلول عام 2030 بسبب التخفيضات المتراكمة في مساعدات الدول المتقدمة، إذا استمر هذا التوجه.
توصيات الصحة العمومية لمواجهة الأزمة
يدعو خبراء الصحة العالمية إلى جملة من الإجراءات العاجلة أبرزها:
- استعادة تمويلات مستقرة ومتعددة السنوات لبرامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا؛
- إعطاء الأولوية لبرامج الوقاية، التي غالبا ما تكون أولى ضحايا التقليص رغم أهميتها على المدى البعيد؛
- تعزيز الأنظمة الصحية المحلية (المياه، النظافة، البنى التحتية، التكوين)؛
- تحسين التنسيق الدولي لتفادي الانقطاعات المفاجئة في الرعاية؛
- ضمان استمرارية العلاجات للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، تفاديا للمقاومة الدوائية والانتكاسات وارتفاع الوفيات.
تراجع بعواقب طويلة الأمد
يرى كثير من المختصين أن هذه الأزمة تتجاوز الإطار المالي، إذ تمسّ بأسس نموذج التضامن الدولي الذي أتاح خلال العقدين الماضيين تحقيق تقدم كبير في مواجهة الأوبئة العالمية.
وتلخص عدة منظمات غير حكومية الموقف بالقول: «ما هو على المحك ليس مجرد بنود في الميزانية، بل أرواح بشرية واستقرار الصحة العالمية». وستكشف السنوات المقبلة ما إذا كان هذا التراجع التاريخي سيُصحح، أم أنه سيترك أثرا دائما على صحة ملايين الأشخاص حول العالم.
الكلمات المفتاحية: الولايات المتحدة الأميركية؛ تمويل؛ وفيات؛ صحة؛ مرض؛ فيروس نقص المناعة البشرية.
إقرأ أيضاً: