صحة جيدة لحياة أفضل

السرطان في الجزائر: عندما يلتقي التميز بضرورة الحوكمة الشفافة

حرر : د. محمد الطاهر عيساني | دكتور في الطب
10 يونيو 2026

زيارة ذات دلالة رمزية عميقة

لا تعتبر زيارة البروفيسور ”إلياس زرهوني” إلى اللجنة الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل تحمل في طياتها رمزية قوية تتمثل في عودة كفاءة جزائرية بلغت أعلى مراتب البحث العلمي العالمي للحوار مع مؤسسات وطنها الأم حول قضية تمس أكثر جوانب الألم حساسية لدى العائلات: السرطان.

فخلف المصطلحات الرسمية مثل التعاون والابتكار ونقل المعارف والشراكات الدولية، توجد قبل كل شيء وجوه بشرية، فهناك مرضى ينتظرون تشخيصا سريعا، وعائلات تبحث عن موعد أو دواء أو إجابة واضحة وهناك أطباء يعملون تحت ضغط كبير، ومهنيون في قطاع الصحة يتحملون، أحيانا في صمت، أعباء منظومة لا تزال تعاني من التفاوت والتجزئة والبطء في مواجهة مرض لا ينتظر أحدا.

قد تمثل مشاركة البروفيسور “إلياس زرهوني” المدير السابق لـ National Institutes of Health، فرصة نادرة للجزائر، فخبرته في هيكلة البحث الطبي الحيوي، وصياغة السياسات العلمية الطموحة، وربط المختبرات بالمستشفيات والجامعات والصناعة الطبية، يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة. غير أن التحدي الأساسي يكمن في كيفية ضمان ألا تبقى هذه الزيارة مجرد صورة مؤسساتية إضافية.

ولم تعد مكافحة السرطان تحتمل الاكتفاء بالتصريحات العامة، بل تتطلب رؤية واضحة ومنهجية دقيقة. فهي تستوجب وجود سجلات موثوقة، وبيانات متاحة، ومؤشرات قابلة للقياس وشفافية بشأن آجال التكفل بالمرضى وتقييما صريحا لقدرات المؤسسات الاستشفائية واستراتيجية وطنية للكشف المبكر، وتنظيما محكما لمسارات العلاج وسياسة واضحة تضمن الوصول إلى العلاجات المبتكرة.

أما الأخلاقيات هنا فليست مجرد إضافة لغوية أو شعار نظري بل هي جوهر القضية، ففي أي سياسة صحية جديرة بهذا الاسم، يجب ألا يتحول المريض إلى رقم إداري أو ملف يضيع في دهاليز الانتظار، خاصة وأنه إنسان له قصة ومخاوف وكرامة وأسرة، فيما تفرض أخلاقيات المهنة الطبية ليس فقط العلاج بل أيضا الإعلام والمرافقة والشرح واحترام موافقة المريض وضمان العدالة وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جهتها تصبح الشفافية في هذا السياق مطلبا صحيا أساسيا، فهي تعني الاعتراف بما ينجح وما لا ينجح وتسليط الضوء على النقائص دون الإساءة إلى الفاعلين، وتقييم البرامج دون تجميل النتائج، ونشر المعطيات دون خوف من النقاش. فكل سياسة عمومية ترفض النقد تحكم على نفسها بتكرار نقاط ضعفها.

في هذا الإطار تتحمل اللجنة الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته مسؤولية كبيرة، فلا ينبغي أن تكون مجرد فضاء للاجتماعات والتوصيات، بل يجب أن تتحول إلى هيئة قيادة حقيقية قادرة على تنسيق جهود مختلف الفاعلين، وتحديد الأولويات ومتابعة النتائج وإطلاع المجتمع عليها وبناء الثقة بين المؤسسات الصحية والمهنيين والمواطنين.

تمتلك الجزائر كفاءات طبية حقيقية تضم أطباء الأورام والجراحين وأخصائيي التشريح المرضي وأطباء العلاج الإشعاعي وعلماء الأحياء والباحثين والصيادلة العاملين في المستشفيات، غير أن هذه الكفاءات تحتاج إلى إطار تنظيمي فعال، فالجودة الفردية وحدها لا تكفي عندما يفتقر النظام إلى التنظيم كما أن تفاني الأطباء لا يمكن أن يعوض غياب الحوكمة المحكمة، ولا يمكن لشجاعة المرضى أن تعوض بطء الإجراءات الإدارية.

لهذا السبب ينبغي النظر إلى التعاون الدولي باعتباره أداة للتغيير وليس مجرد واجهة إعلامية، فبفضل خبرة البروفيسور ”زرهوني” يمكن للجزائر فتح آفاق جديدة نحو شبكات البحث العلمي والتجارب السريرية متعددة المراكز وبرامج التكوين المتقدم ومنصات البيولوجيا الجزيئية والشراكات الجامعية وآليات نقل التكنولوجيا. لكن تحقيق ذلك يتطلب التزامات ملموسة وجداول زمنية واضحة وتمويلات محددة، ومسؤوليات دقيقة، ونتائج قابلة للتقييم.

وليس السرطان مجرد مرض بيولوجي بل هو أيضا اختبار اجتماعي واقتصادي ونفسي وأخلاقي، فهو يكشف مدى قوة أو هشاشة النظام الصحي، ويظهر قدرة الدولة على حماية مواطنيها في أكثر مراحل حياتهم ضعفا، كما يطرح تساؤلات عميقة حول الكرامة الإنسانية والعدالة الصحية والشفافية في الشأن العام.

سيكون من الظلم اختزال هذه الزيارة في مجرد تواصل مؤسساتي فقد تشكل نقطة انطلاق حقيقية، شريطة الالتزام بقاعدة بسيطة مفادها أن الصحة العمومية لا تتقدم إلا عندما يلتقي الطموح العلمي بالصرامة الأخلاقية والشفافية الإدارية والمسؤولية السياسية.

يجسد البروفيسور “إلياس زرهوني” نموذجا للتميز الجزائري المعترف به عالميا ومن شأن عودته الرمزية إلى النقاش الوطني حول البحث في مجال السرطان أن تذكر بحقيقة أساسية مفادها أن الجزائر لا تعاني من نقص في الكفاءات، بل تعاني في كثير من الأحيان من نقص في الآليات القادرة على تحويل هذه الكفاءات إلى سياسات مستدامة.

ولن يقاس النجاح الحقيقي لهذه الزيارة بجودة البيانات الصحفية أو البلاغات الرسمية، بل بما ستثمره بعد ستة أشهر أو سنة أو ثلاث سنوات: برامج جديدة، وفرق مؤهلة، ومرضى يتلقون التوجيه بشكل أفضل، وتشخيصات أسرع، وعلاجات أكثر إتاحة، وبيانات منشورة، وخطاب مؤسساتي أكثر شفافية.

في معركة مكافحة السرطان لا تقاس عظمة الدول فقط بما تمتلكه من تجهيزات أو بما تلقيه من خطابات، بل بقدرتها على مواجهة المعاناة بصدق، وتنظيم الأمل بجدية، والنظر إلى كل مريض لا باعتباره حالة طبية فحسب بل حياة تستحق الحماية والدفاع.

الكلمات المفتاحية: السرطان، إلياس زرهوني، الجزائر، المرض، المريض، الصحة، أطباء الأورام، الجراحون، أخصائيو التشريح المرضي، أطباء العلاج الإشعاعي، علماء الأحياء، الباحثون، الصيادلة الاستشفائيون.

اقرأ أيضاً: