توجد أمراض تختبئ خلف أعراض تبدو عادية ويُعد التهاب المريء اليوزيني من بينها، فكثيرا ما يُلبس ثوب الارتجاع المعدي-المريئي، ويُخلط بينه وبين تهيّج عابر، بل ويُصنّف أحيانا ضمن الاضطرابات “الوظيفية”. غير أن آليته مختلفة ومساره مزمن، وثمنه الإنساني يمكن اختصاره في عبارة واحدة: قد يصبح الأكل مصدرا للقلق والخوف.
يمثل التهاب المريء اليوزيني حالة التهابية تصيب المريء وتُهيمن فيها خلية معروفة في مجال أمراض الحساسية، وهي الخلية اليوزينية. وغالبا ما يسبق “الاستعداد التحسسي” نتيجة الخزعة نفسها: ربو، التهاب أنف تحسسي، إكزيما، سوابق تحسسية، وأحيانا حساسية غذائية معروفة. وكأن الجهاز المناعي، المعتاد على الاشتعال في مواجهة محفزات خارجية، ينتهي به الأمر إلى التمركز أيضا في قلب فعل حميمي ويومي مثل البلع.
أعراض ملموسة قد تكون أحيانا لافتة
عند البالغين تتجلى الحالة غالبا في عسر البلع: صعوبة أو انزعاج أثناء البلع، إحساس بتعلّق الطعام، الحاجة إلى شرب الماء “لتمرير اللقمة”، مضغ مطوّل، وتجنب بعض الأطعمة مثل الخبز واللحم والأطعمة الجافة. وأحيانا تحدث النوبة التي تدق ناقوس الخطر فجأة: انحشار الطعام، وهو انسداد حاد قد يستدعي تدخلا استعجاليا.
أما لدى الأطفال فالصورة السريرية أكثر خداعا؛ إذ قد تظهر على شكل تقيؤ، آلام بطنية، رفض للطعام، بطء في الأكل، أو حتى توقف في زيادة الوزن. وهذا أحد الأسباب الرئيسية لتأخر التشخيص: فالمرض ليس غائبا، بل يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة.
فخ “الارتجاع” الذي لا يستجيب للعلاج
يتلقى كثير من المرضى في البداية علاجا مضادا للارتجاع. يتحسن بعضهم، بينما لا يستجيب آخرون، وهذه المقاومة يجب أن تُؤخذ بجدية. فالتهاب المريء اليوزيني ليس مجرد أذى حمضي، بل التهاب مناعي يغيّر، مع مرور الوقت، البنية المعمارية للمريء. فبعد المرحلة الأولى وذمة، هشاشة، ورضوض مجهرية يبرز خطر أشد: التليّف ثم التضيق، أين يفقد المريء مرونته، ويغدو قناة صلبة أقل تحملا وأكثر هشاشة.
التشخيص: الرؤية لا تكفي، لا بد من الخزعات
قد يظهر المنظار الهضمي علامات توحي بالمرض: حلقات، أخاديد طولية، إفرازات بيضاء، أو مخاطية هشة. لكن لا بد من التأكيد على نقطة حاسمة فقد يكون المظهر بالمنظار خفيفا، بل قريبا من الطبيعي أحيانا. لذلك يرتكز التشخيص على مبدأ بسيط: أخذ خزعات من المريء. فالفحص النسيجي بإظهار الارتشاح اليوزيني هو ما يرسخ اليقين. وبدون الخزعات قد يبقى التهاب المريء اليوزيني غير مرئي.
العلاج: خفض الالتهاب ومنع تشكّل الندبة
تهدف الخطة العلاجية إلى غايتين: تخفيف الأعراض ومنع التطور نحو التليّف والتضيّق. وترتكز عادة على ثلاثة محاور، تُستخدم منفردة أو مجتمعة حسب الحالة:
- مثبطات مضخة البروتون: تفيد لدى بعض المرضى، حتى خارج إطار الارتجاع وحده.
- الكورتيكوستيرويدات الموضعية المبتلعة (مثل بوديزونيد أو فلوتيكازون): تعمل موضعيا على مخاطية المريء بمنطق العلاج الموجّه.
- حميات الإقصاء الغذائي: قد تكون فعالة جدا، لكنها تتطلب منهجية ومتابعة وحذرا لتجنب النقص الغذائي والإحباط.
وعندما يكون المرض قد ترك بالفعل أثرا تشريحيا كتضيّق أو انسداد ملحوظ يمكن اقتراح التوسيع بالمنظار. غير أنه لا يغني عن العلاج الأساسي فالتوسيع يصحح النتيجة، بينما يبقى جوهر التدبير هو السيطرة على الالتهاب.
التحدي الأهم: التشخيص المبكر لتفادي الترّسخ
التهاب المريء اليوزيني ليس مرضا نادرًا بالمعنى السريري، لكنه غالبا غير معروف بما يكفي. والزمن عامل حاسم: كلما تأخر التشخيص زادت فرصة ترسخ التليّف. وعلى العكس فإن التعرف المبكر على المرض يجنّب في كثير من الأحيان مسارا مثقلا بالقيود الغذائية، والنكسات، وحالات الانحشار، وخوف دائم عند الجلوس إلى المائدة.
والرسالة العملية واضحة: أمام عسر بلع، أو نوبات انحشار طعام، أو “ارتجاع” غير نمطي أو مقاوم للعلاج خاصة لدى مرضى ذوي أرضية تحسسية يجب أن يصبح التهاب المريء اليوزيني احتمالا حاضرا في الذهن. لأن الأمر لا يقتصر على إخماد حرقة، بل على فهم الالتهاب ومنعه من أن يتحول إلى ندبة.
الكلمات المفتاحية:التهاب المريء؛ اليوزينيات(OeE)؛ عسر البلع؛ انحشار الطعام؛ الحساسية؛ الحساسية الغذائية؛ التنظير؛ الخزعات؛ التليّف؛ التضيق؛ الكورتيكوستيرويدات.
إقرأ أيضاً: