صحة جيدة لحياة أفضل

الأنظمة الصحية الإفريقية: بين التعاون والابتكار والسيادة

حرر : ياسين أسامة براجع | المدير المساعد، قسم إفريقيا – مجموعة مستشفيات ليف، إسطنبول
2 يوليو 2026

شهدت الأنظمة الصحية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة، تعززت بالدروس المستفادة من جائحة كوفيد-19. ويستند هذا المقال إلى تجربة ميدانية عملية أُنجزت بالتعاون مع مجموعة مستشفيات ليف (Liv Hospital Group)، حيث يحلل الديناميكيات الحالية للقطاع، مسلطًا الضوء على ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز الأنظمة الصحية الوطنية، وأهمية الشراكات الدولية، والدور المتنامي لبعض الدول الإفريقية بوصفها مراكز إقليمية.

ويولي المقال اهتمامًا خاصًا بالجزائر، التي يجعل منها موقعها الاستراتيجي والتطورات الأخيرة التي شهدتها فاعلًا واعدًا في مجال السياحة العلاجية على مستوى إفريقيا.

على مدار السنوات الثلاث الماضية، أتاحت لنا تجربتنا داخل مجموعة مستشفيات ليف (Liv Hospital Group)، من خلال تعاون وثيق مع العديد من الفاعلين في قطاع الصحة بإفريقيا، فرصة ملاحظة التحولات وديناميكيات تطور الأنظمة الصحية الإفريقية بشكل ملموس.

السيادة الصحية: خط الدفاع الأول

أولًا من الضروري التأكيد على أن الدول الإفريقية أصبحت اليوم تدرك تمامًا الأهمية الاستراتيجية لأنظمتها الصحية الوطنية. فهذه الأنظمة تمثل الركيزة الأساسية لضمان رعاية صحية فعالة ومستدامة للسكان. وقد شكلت جائحة كوفيد-19 نقطة تحول كبرى، إذ أثبتت أنه في مواجهة الأزمات الصحية العالمية والتحديات البيئية، تبقى الأنظمة الصحية المحلية وحدها في خط الدفاع الأول لحماية السكان، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

الشراكات الدولية: محفز للتنمية

ثانيًا يظل التعاون مع المؤسسات الصحية الدولية رافعة أساسية للتطوير، إذ يساهم في نقل الخبرات، وإتاحة الوصول إلى التقنيات المتقدمة وتبادل المعارف في قطاع يشهد تطورًا مستمرًا، وينبغي النظر إلى هذا التعاون باعتباره مكملًا للقدرات المحلية، وليس بديلًا عنها.

بناء استراتيجية مستدامة: المنهجية والوقت والتعاون

ثالثًا يُعد عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في تنفيذ أي استراتيجية للتنمية، ومن الضروري:

  • تحديد الاحتياجات ونقاط الضعف بوضوح.
  • إعداد خارطة طريق منظمة.
  • الاعتماد على شركاء ذوي خبرة.
  • توحيد الجهود المشتركة من أجل تحقيق الأهداف المسطرة.

وطوال هذه العملية من الضروري الإصغاء إلى الاحتياجات الحقيقية للسكان، وتكييف الاستراتيجيات وفقًا لها.

إجراءات عملية لتعزيز القدرات

وفي هذا الإطار أتاح لنا تعاوننا مع العديد من الشركاء الأفارقة، سواء من القطاع العام أو الخاص، تطوير مبادرات عملية من بينها:

  • برامج للتكوين المتبادل.
  • نشر فرق طبية لتنفيذ التدخلات الطبية المعقدة.
  • إنشاء مجالس طبية مشتركة لتحسين التنسيق.
  • استقبال الطلبة للمساهمة في تكوين الجيل الجديد من مهنيي الصحة.

وفي مجموعة مستشفيات ليف (Liv Hospital Group)، ترتكز مقاربتنا على مبدأ أساسي يتمثل في العمل بشكل تكاملي مع الأنظمة الصحية المحلية، والاستجابة بدقة للاحتياجات المحددة، بما يضمن تقديم قيمة مضافة مستدامة.

الجراحة الروبوتية: جيل جديد من الرعاية الصحية

في إطار هذا النهج القائم على التعاون الدولي ونقل الخبرات، يؤدي الابتكار التكنولوجي دورًا حاسمًا في تطوير الأنظمة الصحية، ومن أبرز هذه التطورات الجراحة الروبوتية التي تفتح آفاقًا جديدة من حيث دقة العمليات الجراحية، وتقليل التدخل الجراحي، وتحسين تعافي المرضى.

عندما تلتقي التكنولوجيا بالإنسان

وفي هذا السياق يؤكد السيد “محمد نور عثمان ديبا” مدير الشراكات الاستراتيجية الدولية ومنطقة إفريقيا لدى مجموعة مستشفيات ليف (Liv Hospital Group)، أن اعتماد التقنيات المتطورة، مثل نظام da Vinci Single Port، يجسد قدرة الطب الحديث على تجاوز حدود الابتكار مع الارتقاء بجودة الرعاية الصحية.

ومع ذلك يذكّر بأن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها لا يمكنها أن تحل محل البعد الإنساني في الطب: ”وراء كل ابتكار تكمن ثقة المريض، والإصغاء الجيد من قبل مهنيي الصحة، والتعاطف، والمرافقة الشخصية طوال مسار العلاج، وإذا كانت التكنولوجيا تُحدث تحولًا في الطب، فإن القيم الإنسانية هي التي تسهم، قبل كل شيء، في تحقيق الشفاء الحقيقي”.

وتعكس هذه الرؤية مقاربة متوازنة تتكامل فيها التميز التكنولوجي مع التميز الإنساني، بما يضمن للمرضى رعاية صحية تتوافق مع أعلى المعايير الدولية.

في ظل التحولات الراهنة التي تشهدها الأنظمة الصحية الإفريقية، تبرز الجزائر تدريجيًا كفاعل استراتيجي يمتلك مقومات حقيقية تؤهلها لأن تصبح وجهة إقليمية للسياحة العلاجية.

موقع جغرافي يخدم التعاون الإقليمي

بفضل موقعها الجغرافي وروابطها التاريخية والهيكلية مع العديد من الدول الإفريقية ولا سيما في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، تتمتع الجزائر بترابط طبيعي يسهل التبادلات الطبية والتعاون الصحي، وتمثل هذه المقومات عاملًا مهمًا في تطوير شراكات إقليمية متينة.

تطورات تعزز جاذبية المنظومة الصحية

وشهدت السنوات الأخيرة تطورات ملحوظة سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، ورغم أن التكفل بالحالات الطبية المعقدة لا يزال محدودًا من حيث الحجم، فإنه يشهد تقدمًا مستمرًا بفضل مبادرات التعاون وتعزيز القدرات.

التعاون الجزائري–الموريتاني: نموذج ناجح

ومن أبرز الأمثلة على ذلك التعاون بين الجزائر وموريتانيا، الذي أتاح إجراء عمليات مشتركة لزرع الكلى، ويجسد هذا النوع من المبادرات الإمكانات الكبيرة التي يتيحها تعزيز التعاون الطبي الإفريقي، كما يمهد الطريق لتطوير مبادرات مماثلة في تخصصات أخرى.

القطاع الخاص… محرك الطب المتخصص

يشهد القطاع الخاص للصحة في الجزائر نموًا لافتًا خاصة في المجالات التالية:

  • طب النساء.
  • طب الإنجاب والإخصاب المساعد .
  • طب العيون.
  • الأشعة.
  • طب الأورام.

وتستجيب هذه التخصصات لطلب متزايد حتى على المستوى الوطني، حيث يتجه المرضى بشكل متزايد إلى القطاع الخاص للاستفادة من الرعاية الصحية المتخصصة.

نحو مركز طبي إقليمي

تضع مجمل هذه الديناميكيات الجزائر في موقع الشريك الموثوق والخيار الاستراتيجي للأنظمة الصحية الإفريقية، ورغم أن هناك حاجة إلى بذل مزيد من الجهود في مجالات التنسيق والهيكلة وتعزيز التعاون الإقليمي، فإن المسار الحالي يشير بوضوح إلى أن الجزائر تسير في الاتجاه الصحيح.