خلّفت موجة الحر الاستثنائية التي ضربت فرنسا بين 22 و28 جوان 2026 حصيلة بشرية ثقيلة. ووفقًا لأول التقديرات التي نشرتها هيئة الصحة العامة الفرنسية، سُجلت 2025 وفاة إضافية خلال أسبوع واحد فقط.
موجة حر تاريخية بعواقب مأساوية
ووُصف هذا الحدث المناخي من قبل خبراء الأرصاد الجوية بأنه تاريخي، إذ شمل كامل الأراضي الفرنسية. وقد فرضت درجات الحرارة المرتفعة بشكل استثنائي، والتي ترافقت في بعض المناطق مع ليالٍ استوائية لم تشهد أي انخفاض حقيقي في الحرارة، ضغطًا كبيرًا على جسم الإنسان، ولا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشة.
ارتفاع الوفيات بنسبة تقارب 30%
وتُظهر البيانات زيادة كبيرة في عدد الوفيات خلال هذه الفترة، فبين 22 و28 جوان، سُجل 8973 وفاة في فرنسا لجميع الأسباب مجتمعة مقابل 6948 وفاة خلال الأسبوع السابق، ويمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة 29% في معدل الوفيات خلال سبعة أيام فقط.
وأوضحت وزيرة الصحة الفرنسية، ستيفاني ريست، أن هذه الأرقام لا تزال أولية، إذ تستند حاليًا إلى نحو 60% من شهادات الوفاة الإلكترونية، بينما لا تزال شهادات الوفاة الورقية قيد التحليل، ما يعني أن الحصيلة النهائية قد تتغير خلال الأسابيع المقبلة.
الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 45 عامًا هم الأكثر تضررًا
وتشير البيانات إلى أن آثار موجة الحر طالت بشكل رئيسي البالغين في منتصف العمر وكبار السن، فمن بين 2025 وفاة إضافية، سُجلت 2001 وفاة لدى أشخاص تبلغ أعمارهم 45 عامًا أو أكثر.
وعلى خلاف الاعتقاد السائد فإن موجات الحر الشديدة لا تهدد كبار السن فقط، بل تشمل أيضًا البالغين المصابين بأمراض مزمنة، والأشخاص ذوي الإعاقة، وكذلك من يتناولون بعض الأدوية التي تزيد من حساسيتهم للحرارة.
ارتفاع هائل في الوفيات داخل المنازل
ومن أبرز ما كشفته هذه الحصيلة الأولية مكان وقوع الوفيات، فقد ارتفع عدد الوفيات المسجلة داخل المنازل بنسبة 91% خلال أسبوع موجة الحر.
وللمقارنة:
- +91% داخل المنازل.
- +37% في دور رعاية المسنين.
- +19.7% في المؤسسات الصحية.
ويبرز هذا التفاوت مشكلة كبيرة، تتمثل في بقاء عدد كبير من الأشخاص الأكثر عرضة للخطر معزولين داخل منازلهم خلال موجات الحر، من دون متابعة طبية أو عائلية كافية.
المناطق الأكثر تضررًا

ورغم أن ارتفاع الوفيات شمل معظم أنحاء فرنسا، فإن بعض المناطق كانت الأكثر تأثرًا، وسُجلت أعلى الزيادات في:
- إيل دو فرانس: +62.8% (+619 وفاة).
- بايي دو لا لوار: +62% (+178 وفاة).
- نورماندي: +53.1% (+216 وفاة).
- سانتر-فال دو لوار: +47.3% (+121 وفاة).
- بريتاني: +36% (+129 وفاة).
- أكيتين الجديدة: +28.1% (+264 وفاة).
- أو دو فرانس: +27.7% (+155 وفاة).
في المقابل، كانت منطقتا أوكسيتاني وأوفيرني-رون-ألب الوحيدتين اللتين لم تُسجل فيهما زيادة ملحوظة في معدل الوفيات خلال هذه الفترة.
لماذا قد تصبح الحرارة قاتلة؟
أثناء موجة الحر يحاول الجسم الحفاظ على درجة حرارة داخلية تقارب 37 درجة مئوية، وعندما ترتفع درجة حرارة الجو بشكل كبير، خاصة إذا بقيت الليالي حارة، يصبح الجسم أقل قدرة على التخلص من الحرارة التي ينتجها. كما تصبح عملية التعرق أقل فعالية، ويزداد خطر الإصابة بالجفاف.
وقد يؤدي ذلك إلى:
- الإجهاد الناتج عن الحرارة.
- الجفاف الشديد.
- انخفاض ضغط الدم.
- الفشل الكلوي الحاد.
- تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي.
- ضربة الشمس، وهي حالة طبية طارئة قد تؤدي إلى الغيبوبة أو الوفاة.
أما لدى كبار السن فإن الإحساس بالعطش يتراجع مع التقدم في العمر، كما تقل لديهم القدرة على التعرق، مما يضعف آلية الجسم الطبيعية لتبريد نفسه.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
توجد فئات سكانية تكون أكثر عرضة بشكل خاص لمضاعفات موجات الحر وهي:
- كبار السن.
- الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
- الرضع والأطفال الصغار.
- النساء الحوامل.
- المصابون بأمراض القلب أو الجهاز التنفسي أو الكلى.
- مرضى السكري.
- الأشخاص الذين يتناولون بعض الأدوية مثل مدرات البول، وأدوية ارتفاع ضغط الدم، ومضادات الذهان، ومضادات الاكتئاب.
- العاملون في الأماكن المفتوحة.
- الرياضيون الذين يمارسون نشاطهم في درجات حرارة مرتفعة.
كيف نحمي أنفسنا بفعالية أثناء موجة الحر؟
تؤكد السلطات الصحية على مجموعة من الإجراءات البسيطة لكنها ضرورية، ويُنصح بـ:
- شرب الماء بانتظام دون انتظار الشعور بالعطش.
- تجنب المشروبات الكحولية لأنها تزيد من الجفاف.
- الحفاظ على برودة المنزل قدر الإمكان من خلال إغلاق النوافذ والمصاريع خلال النهار.
- تهوية المنزل في الصباح الباكر وفي وقت متأخر من المساء.
- استخدام المروحة أو جهاز التكييف عند الإمكان.
- ترطيب الوجه والرقبة والذراعين بالماء بشكل منتظم.
- ارتداء ملابس خفيفة وفاتحة اللون.
- تجنب ممارسة أي نشاط بدني شاق خلال ساعات الحر الشديد.
- عدم ترك طفل أو حيوان داخل سيارة متوقفة مطلقًا، حتى لبضع دقائق.
- الاطمئنان بانتظام على كبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
التعرف على علامات الإنذار
قد ينقذ التدخل السريع حياة المصاب، ومن الأعراض التي تستوجب الانتباه:
- تعب شديد وغير معتاد.
- عطش شديد.
- دوخة.
- صداع قوي.
- غثيان أو قيء.
- تشوش ذهني أو ميل إلى النعاس.
- ارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم.
- انعدام التعرق رغم شدة الحرارة.
- صعوبة في التنفس.
- فقدان الوعي.
وعند ظهور هذه العلامات، يجب الاتصال فورًا بخدمات الطوارئ، ونقل المصاب إلى مكان بارد، وإزالة الملابس الزائدة، والبدء في تبريد جسمه بالماء أو باستخدام مناشف مبللة إلى حين وصول فرق الإسعاف.
ظاهرة مرشحة لأن تصبح أكثر تكرارًا
ورغم أن هذه الحصيلة تبقى أقل بكثير من حصيلة موجة الحر عام 2003، التي تسببت في نحو 15 ألف وفاة، فإنها تؤكد أن موجات الحر أصبحت تمثل اليوم تحديًا كبيرًا للصحة العامة، كما أن صيف عام 1976 وهو حدث مناخي تاريخي آخر، تسبب في نحو 6000 وفاة إضافية.
ووفقًا لهيئة الصحة العامة الفرنسية، تتسبب الحرارة حاليًا في ما بين 1% و4% من إجمالي الوفيات الصيفية سنويًا. ويرى العلماء أن التغير المناخي سيؤدي خلال العقود المقبلة إلى زيادة تكرار موجات الحر وشدتها ومدتها.
يقظة جماعية لا غنى عنها
لا تُعد موجة الحر مجرد حالة من الانزعاج المؤقت، بل قد تتحول سريعًا إلى حالة طبية طارئة، خاصة لدى الأشخاص الأكثر هشاشة، ويؤكد المختصون في القطاع الصحي أن الحفاظ على الترطيب الجيد للجسم، وتبريد المساكن، ومراقبة الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، والتعرف المبكر على علامات ضربة الشمس، كلها إجراءات قادرة على الوقاية من عدد كبير من الوفيات.
وفي ظل تزايد تكرار موجات الحر، تظل الوقاية الوسيلة الأكثر فعالية لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
الكلمات المفتاحية: موجة الحر 2026، الحرارة الشديدة، الوفيات، فرنسا، الصحة العامة، كبار السن، معدل الوفيات، الوقاية، الترطيب، اليقظة، موجة الحر.
اقرأ أيضاً: