لم تعد الإصابة بالسرطان في غزة مجرد اختبار طبي بل أصبحت بالنسبة لآلاف المرضى حكمًا صامتًا. فمنذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، تضاعف عدد الوفيات المرتبطة بالسرطان ثلاث مرات وفق تحذيرات الأطباء. والسبب الرئيسي هو الانهيار الكامل لنظام الصحة، وحظر عمليات الإخلاء الطبي، ومنع دخول العلاجات الحيوية مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي.
الانتظار ليس للشفاء بل للحصول على حق الحياة
تعيش” أميرة “مع السرطان منذ ثماني سنوات، فقبل الحرب حصلت على تصريح للعلاج في الخارج. واليوم مثلها مثل آلاف المرضى الآخرين، هي محاصرة داخل القطاع الفلسطيني.
تقول أميرة: “كنت أتلقى علاجي في الضفة الغربية والقدس أما اليوم لا أستطيع الوصول إلى أي شيء رغم اني أحتاج إلى العلاج الإشعاعي، وهو لم يعد موجودًا في غزة “
حال أميرة ليس استثناءً فبحسب السلطات الصحية المحلية، يوجد حاليًا حوالي 11 ألف مريض سرطان محاصرون في غزة دون إمكانية الخروج، في منطقة دُمرت فيها البنية التحتية الطبية بشكل كبير.
الوفيات تتضاعف ثلاث مرات منذ بداية الحرب
ويصف الأطباء الوضع بالكارثي فمنذ أكتوبر 2023، تضاعف عدد الوفيات المرتبطة بالسرطان ثلاث مرات. وبدون علاج كيميائي، بدون علاج إشعاعي، بدون أدوية مناسبة وبدون إمكانية الإخلاء، أصبح تشخيص السرطان بالنسبة للكثيرين بمثابة حكم إعدام مؤجل.
ويختصر أحد الأطباء المحليين الوضع بقوله: “لقد فقدنا خمسين عامًا من التقدم في علم الأورام”.
مستشفى أشبه بالشبح في قلب الكارثة الصحية
رمز هذا الانهيار هو مستشفى الصداقة التركية الفلسطينية، الذي كان سابقًا المنشأة الوحيدة المتخصصة في الأورام في غزة ، أما اليوم لم يبق منه سوى هيكل فارغ. أين تحول المستشفى إلى موقع عسكري ثم دُمر خلال القتال ولم يعد يعمل. فيما تُرك المرضى لمصيرهم، واضطر الطاقم الطبي للانتقال إلى منشآت مؤقتة بدون معدات أو أدوية. ويصف الناجون المكان بأنه “مستشفى أشباح”.
العلاج بدون أدوات والتشخيص بدون وسائل
ويصف “محمد أبو ندى” المدير الطبي لمركز سرطان غزة الوضع بالعجز الكامل: “لقد فقدنا كل شيء فالمستشفى الوحيد القادر على تشخيص وعلاج السرطان لم يعد موجودًا ونعمل اليوم في المجمع الطبي ناصر، لكن بدون أجهزة تشخيص وبدون علاج كيميائي”
ويضيف أن 60 إلى 70% من بروتوكولات علاج السرطان غير متوفرة بالكامل اليوم وهذه العلاجات تعتمد على تسلسل محدد من الأدوية، وغياب دواء واحد يجعل البروتوكول بأكمله عديم الفائدة.
“شوكولاتة، لكن لا أدوية!“
رغم الإعلانات عن وقف إطلاق النار وتوصيل المساعدات الإنسانية، ما زالت العلاجات الأساسية محظورة. يقول الدكتور “أبو ندى”: “دخلت الشوكولاتة والفواكه المجففة والرقائق، لكن لا أدوية للسرطان، ولا علاج للأمراض المزمنة، ولا أجهزة تشخيص”.
وفي ذات السياق أصبح المخزون المتبقي الآن منتهيًا، حتى الرعاية التلطيفية تُعطى بشكل محدود. فيما توزع المسكنات الضرورية لتخفيف آلام السرطان المتقدم بحذر شديد.
ويضيف: “نُعطي الأولوية للمرضى الذين انتشر السرطان لديهم أما البقية ليس لديهم شيء”.
حالتان إلى ثلاث حالات وفاة يوميًا في بعض المناطق
في خان يونس جنوب غزة يموت يوميًا من مريضين إلى ثلاثة مرضى بالسرطان لعدم تلقي الرعاية في حين أن المرض يتقدم بسرعة دون أي رادع علاجي. كما أن 3250 مريضًا لديهم تصريح رسمي لتلقي العلاج في الخارج، لكنهم ما زالوا محاصرين بسبب إغلاق معبر رفح ومنع الإخلاء الطبي الإسرائيلي.
يأس الطاقم الطبي
أمام هذه المأساة الطاقم الطبي أيضًا على حافة الانهيار. يقول مدير المركز: “بعض الأخصائيين غادروا غزة ومن تبقى لم يعد لديه شيء ليعالج به”. ويضيف: “الطبيب بدون أدوات لا يستطيع فعل شيء. ما تبقى له هو الجلوس بجانب المريض والبكاء معه، لأنه محروم من العلاج ومحروم من حق السفر”.
حالة إنسانية وطبية طارئة
تعكس حالة مرضى السرطان في غزة حجم الكارثة الإنسانية الجارية. فهم محرومون من العلاجات، ومن التشخيص، ومن فرصة النجاة، ويموتون في صمت بينما تتوفر الرعاية على بعد كيلومترات قليلة.
من جهتهم يوجه الأطباء نداءً واضحًا: بدون رفع فوري للقيود، ودون وصول الأدوية، ودون إخلاءات طبية، سيستمر السرطان في حصد الأرواح بصمت.
الكلمات المفتاحية: صحة؛ غزة؛ سرطان؛ مرضى؛ أدوية؛ علاج؛ طبيب.
إقرأ أيضاً: