صحة جيدة لحياة أفضل

سرطان الفم: الكحول موضع اتهام منذ أول قطرة

حرر : عماد بوعريسة | دكتور في الطب
19 يناير 2026

خطر موجود حتى بدون تدخين

لطالما اعتبر سرطان الفم نتيجة شبه حصرية للتدخين، غير أن المعطيات العلمية الحديثة تكشف اليوم ارتباطه بعامل يومي آخر هو استهلاك الكحول حتى بكميات قليلة، حيث سلطت دراسة دولية نشرت في مجلة BMJ Global Health  الضوء على علاقة مقلقة: ابتداء من كأس واحد يوميا، يرتفع خطر الإصابة بشكل ملحوظ.


ويشمل : سرطان التجويف الفموي الشفاه، اللسان، قاع الفم واللثة، وهو في تزايد بعدة مناطق من العالم، ليصبح تحديا حقيقيا للصحة العمومية. ورغم ارتباطه القوي بالتبغ، فإنه يصيب ايضا اشخاصا دون سوابق عائلية او سوابق في التدخين، ما يطرح تساؤلات حول عوامل خطر اخرى.


وقد أجرى الباحثون دراسة حالات وشواهد متعددة المراكز في الهند بين 2010 و2021، أين يقارن هذا النوع من الدراسات بين اشخاص مصابين واخرين اصحاء لتحديد العوامل المرتبطة بالمرض. وشملت الدراسة 3706 رجلا:

  • 1803 مريضا بسرطان الغشاء المخاطي للفم
  • 1903 اشخاصا سليمين دون امراض سرطانية
    وخضع المشاركون لمقابلات مفصلة حول نمط حياتهم، خاصة استهلاك الكحول. كما اخذت التحاليل بعين الاعتبار العمر، مستوى التعليم ومكان الاقامة للحد من التحيز.


النتيجة الاساسية واضحة، فالرجال الذين يستهلكون 9 غرامات من الكحول الخالص يوميا او اكثر، اي ما يعادل كأسا واحدا تقريبا، لديهم خطر اعلى بنسبة 50 بالمئة للإصابة بسرطان الفم مقارنة بغير المستهلكين.
وللمقارنة تحتوي المشروبات الكحولية عادة على 10 الى 14 غراما من الكحول الخالص حسب البلدان والمعايير. وبصورة عامة تبين الدراسة ان:

  • مستهلكي الكحول لديهم خطر اعلى بنسبة 68 بالمئة مقارنة بالممتنعين
  • يرتفع الخطر الى 72 بالمئة لدى مستهلكي العلامات الدولية
  • ويصل الى 87 بالمئة لدى مستهلكي الكحول المحلية


ويشدد الباحثون على نقطة محورية مفادها أنه غالبا ما يقترن استهلاك الكحول بالتبغ ما يضاعف الاضرار. وعند اقتران الكحول بالتبغ الممضوغ، يرتفع خطر سرطان الغشاء المخاطي الفموي الى اربعة اضعاف. وتشير تقديرات الدراسة الى ان هذا التفاعل قد يفسر ما يصل الى 62 بالمئة من حالات سرطان الفم في الهند.


بيولوجيا قد يزيد الايثانول من نفاذية الغشاء المخاطي الفموي، ما يسهل دخول المواد المسرطنة الموجودة في منتجات التبغ. هذا التآزر يعزز الاعتداء الخلوي ويفضي الى التحول السرطاني.


أحد أبرز استنتاجات الدراسة هو غياب عتبة استهلاك خالية تماما من الخطر، فحتى الجرعات المنخفضة تقترن بزيادة قابلة للقياس في الخطر. لذلك يرى الباحثون انه لا يوجد مستوى استهلاك كحول آمن بشكل كامل فيما يخص سرطان الفم.


يعد سرطان الفم خطيرا بشكل خاص عند اكتشافه في مراحل متقدمة، اذ يتم تشخيص 80 بالمئة من الحالات متأخرا، ما يقلص فرص الشفاء. عالميا يقدر عدد:

  • الحالات الجديدة بنحو 377713 حالة سنويا
  • الوفيات بنحو 177757 وفاة

أما في الهند الوضع اكثر حرجا حيث يحتل سرطان الفم المرتبة الثانية بين السرطانات، مع نحو 143759 حالة جديدة و79979 وفاة سنويا، ونسبة بقاء لخمس سنوات لا تتجاوز 43 بالمئة.

وفي الجزائر لا تزال الاحصاءات الدقيقة تفتقر الى التحيين المنتظم، غير ان السجلات الجهوية تظهر تزايدا تدريجيا في حالات سرطانات الفم خاصة لدى الرجال. ويعكس ذلك ارتفاع التدخين، التعرض للكحول في بعض الفئات، والتكفل المتأخر.
وتشير المعطيات الاستشفائية الى ان أكثر من نصف التشخيصات تتم في مراحل متقدمة، ما يشكل تحديا كبيرا لفعالية العلاج والانذار الحيوي.


ويبقى الكشف المبكر اساسيا فكلما اكتشف السرطان مبكرا، زادت فرص الشفاء.
وفي الجزائر تعيق هذا المسار عدة عوامل:

  • ضعف وعي الجمهور بالعلامات الاولية
  • نقص الوصول الى الرعاية المتخصصة في بعض المناطق
  • التأخر في الاستشارة بسبب الخوف او نقص المعرفة

وتعمل السلطات الصحية على تشجيع تكوين مهنيي الرعاية الاولية لرصد الآفات المشبوهة مبكرا وتوجيه المرضى نحو المراكز المتخصصة.


يعتمد علاج سرطان الفم على عدة محاور:

  • الجراحة: استئصال الورم والانسجة المصابة
  • العلاج الاشعاعي: علاج موضعي غالبا بعد الجراحة
  • العلاج الكيميائي: علاج عام حسب انتشار المرض
  • الدعم الغذائي واعادة التأهيل الوظيفي: للحفاظ على القدرة على الاكل والكلام وجودة الحياة
    وتعد المستشفيات الجامعية ومراكز مكافحة السرطان حجر الاساس في هذا التكفل.

رغم ان الدراسة رصدية ولا تثبت سببية مباشرة فان نتائجها قوية بما يكفي لتوجيه سياسات الوقاية، لذا يوصي الخبراء بـ:

  • تجنب استهلاك الكحول حتى بشكل معتدل
  • الاقلاع عن التبغ، خاصة التبغ الممضوغ
  • استشارة الطبيب سريعا عند ظهور آفات فموية مستمرة، آلام، تقرحات لا تلتئم او نزيف غير مبرر
  • تعزيز الكشف المبكر خصوصا لدى الاشخاص المعرضين لعدة عوامل خطر
  • توعية موجهة: تعريف الجمهور بالأعراض المبكرة مثل التقرحات المستمرة، الآلام الفموية، صعوبة البلع، النزيف غير المفسر
  • مكافحة التبغ والكحول: تعزيز سياسات الوقاية خاصة لدى الشباب
  • تكوين مهنيي الصحة: تدريب الاطباء العامين، اطباء الاسنان والممرضين على كشف الآفات غير الطبيعية
  • تعزيز مسارات الكشف: تنظيم حملات كشف منتظمة خاصة بالمناطق الريفية
  • تعزيز نظافة الفم والاسنان: تشجيع العناية الدورية كعامل وقائي اساسي


تفند هذه الدراسة الفكرة القائلة بان التبغ وحده مسؤول عن سرطان الفم، وتبعث برسالة قوية: الكحول، حتى بجرعات قليلة، ليس امنا. وفي ظل التشخيص المتأخر وارتفاع الوفيات، تبقى الوقاية السلاح الاكثر فعالية.


يمكن الوقاية من سرطان الفم بدرجة كبيرة عبر تغيير نمط الحياة والكشف المبكر، كما أن الاقلاع عن التبغ والكحول، والاستشارة السريعة عند اي آفة لا تلتئم، خطوات بسيطة لكنها فعالة، بالإضافة الى أن الوقاية والتثقيف يظلان افضل وسيلتين للحد من هذا السرطان الصامت والخطير.

الكلمات المفتاحية: سرطان، الفم، الكحول، التبغ، الوقاية، الغشاء المخاطي، الصحة العمومية، الكشف المبكر، الايثانول، علم الاورام.

إقرأ أيضاً: