صحة جيدة لحياة أفضل

الفصام واضطراب ثنائي القطب: خلل دماغي مشترك قد يغيّر مسار العلاجات

حرر : د. سليم بن لفقي | دكتور في علوم الأعصاب
18 فبراير 2026

على مدى عقود اعتُبر الفصام واضطراب ثنائي القطب مرضين منفصلين تماماً، أحدهما يرتبط بالذهان المزمن، والآخر يتميز بتقلبات حادة في المزاج. وهذا الفصل الواضح كان يوجّه التشخيص والبحث والاستراتيجيات العلاجية ومع ذلك كان الأطباء النفسيون يلاحظون ميدانياً وجود مناطق تداخل بين الحالتين، فقد كان بعض المرضى يعانون من هلوسات وأفكار غير واقعية واضطرابات في اللغة أو تفكك في التفكير، وهي سمات كان يُعتقد سابقاً أنها حصرية للفصام.

اكتشاف يقرب بين مرضين طالما اعتبرا متعارضين

دراسة دولية واسعة جاءت اليوم لتقلب هذه الرؤية، فمن خلال تحليل ثلاثين عاماً من صور الدماغ حدد الباحثون اختلالات مشتركة في أدمغة أشخاص مصابين بكلا الاضطرابين، وهو تقدم قد يغير بشكل عميق طريقة فهم الذهان وعلاجه.

تعاون علمي واسع النطاق

وتندرج هذه الدراسة ضمن جهد دولي يهدف إلى تجاوز التصنيفات النفسية التقليدية، أين يقول الدكتور ”لويجي فرانشيسكو ساكارو” من قسم الطب النفسي بالمستشفيات الجامعية في جنيف: ” ولدت هذه الدراسة من تعاون يسعى إلى فهم الاضطرابات النفسية بعيداً عن التسميات التشخيصية الكلاسيكية”، والهدف من ذلك تحديد الآليات البيولوجية المشتركة بين المرضين لفهم أصولهما بشكل أفضل وفتح الطريق أمام مقاربات علاجية جديدة.

ووفق التصنيفات الحالية يتميز الفصام باضطراب دائم في التفكير والعواطف وإدراك الواقع ومن أبرز مظاهره: الهلوسات، الأفكار غير الواقعية والكلام غير المنظم.

أما اضطراب ثنائي القطب فيتجلى في تعاقب نوبات هوس أو شبه هوس مع فترات اكتئاب غير أن بعض الحالات قد تشهد أيضاً نوبات ذهانية، مما يطمس الحدود بين المرضين.

وعلى مر السنوات حدد الباحثون عدة عناصر مشتركة منها:

  • عجز معرفي
  • صعوبات اجتماعية
  • اضطرابات عاطفية
  • عوامل وراثية مشتركة

وهذه المعطيات عززت فرضية أن هذين الاضطرابين قد ينتميان إلى طيف واحد يُعرف بـ«طيف الذهان» بدلاً من كونهما مرضين منفصلين كلياً.

من جهتها ركزت الدراسة الجديدة على المادة البيضاء وهي شبكة من الألياف العصبية التي تربط مناطق الدماغ المختلفة ببعضها البعض، فهذه الوصلات تضمن انتقال المعلومات بسرعة بين المناطق المسؤولة عن التفكير والعاطفة والسلوك.

ويشبه الباحثون هذه الحزم بطرق سريعة دماغية فعندما تعمل بشكل سليم يكون تبادل المعلومات سلساً، أما عند تضررها فتضعف كفاءة التواصل مما قد يخل بالعمليات الذهنية.

ومن خلال جمع بيانات 96 دراسة تصوير بالرنين المغناطيسي شملت آلاف المرضى وأشخاصاً أصحاء حدد الفريق عاملاً مشتركاً مهماً: خلل متشابه في المادة البيضاء لدى المصابين بالفصام والاضطراب ثنائي القطب.

أبرز اضطراب لوحظ كان في الجسم الثفني وهي بنية أساسية تربط نصفي الدماغ، أين تتيح هذه المنطقة تنسيق المعلومات بين الوظائف الدماغية المختلفة وقد يفسر اضطراب هذا الاتصال بعض الأعراض المشتركة مثل:

  • تفكك التفكير
  • صعوبات التركيز
  • اضطرابات الإدراك
  • خلل في الاستدلال

ويعزز ظهور هذا التغير عبر كامل طيف الذهان فكرة وجود آلية بيولوجية مشتركة، بغض النظر عن التشخيص الممنوح.

ولا تعني هذه النتائج أن الفصام والاضطراب ثنائي القطب متطابقان، فما تزال الفروقات السريرية واضحة، لا سيما من حيث تطور المرض وتكرار النوبات وطبيعة الأعراض.

غير أن هذا التقارب البيولوجي يشير إلى أن بعض أشكال الذهان قد تتقاسم أساساً عصبياً مشتركاً، وهذا يغير المنظور الطبي بشكل عميق فبدلاً من علاج كل اضطراب على حدة، بات الباحثون يفكرون في علاجات تستهدف الآليات الدماغية الكامنة وراء هذه الاضطرابات.

يفتح هذا الاكتشاف آفاقاً واعدة، فإذا كانت اضطرابات الاتصال الدماغي تلعب دوراً محورياً فقد تهدف العلاجات المستقبلية إلى:

  • تحسين التواصل بين مناطق الدماغ
  • تثبيت الدوائر العصبية المرتبطة بالتفكير والعواطف
  • التدخل المبكر لدى الأشخاص المعرضين للخطر

أما على المدى البعيد قد تساعد هذه المقاربات في تقليل شدة الأعراض وتحسين الأداء المعرفي، وربما الوقاية من ظهور المرض لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.

رغم تقدم الأبحاث تظل الرعاية الحالية ضرورية، فالتشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة يسهمان غالباً في تحسين المآل الصحي.

علامات تستدعي الانتباه:

  • هلوسات أو أفكار غير معتادة
  • اضطرابات مزاجية شديدة وممتدة
  • عزلة اجتماعية واضحة
  • صعوبات في التركيز أو الذاكرة
  • كلام غير منظم

إجراءات موصى بها:

  • استشارة الطبيب سريعاً عند استمرار الأعراض
  • ضمان متابعة نفسية منتظمة
  • الالتزام بالعلاج الموصوف
  • تجنب الكحول والمواد ذات التأثير النفسي
  • الحفاظ على نظام نوم مستقر
  • ممارسة نشاط بدني بانتظام

كما يلعب الدعم العائلي والاجتماعي دوراً حاسماً في استقرار المرضى.

من خلال الكشف عن بصمة دماغية مشتركة تمثل هذه الدراسة نقطة تحول، فهي تقترح أن الاضطرابات الذهانية قد تُفهم بشكل أفضل عبر آلياتها البيولوجية، وليس فقط من خلال مظاهرها السريرية.

وعلى المدى الطويل قد تتيح هذه المقاربة طباً أكثر دقة يتكيف مع الخصائص العصبية لكل مريض، عبر علاجات تستهدف مباشرة الدوائر الدماغية المعنية.

الكلمات المفتاحية: الفصام، الاضطراب ثنائي القطب، الذهان، المادة البيضاء، الجسم الثفني، التصوير بالرنين المغناطيسي، الاتصال العصبي، الطب النفسي، البحث الطبي، الاختلالات، العلاجات المبتكرة، الصحة النفسية.

إقرأ أيضاً: