صحة جيدة لحياة أفضل

صدفة علمية قد تُحدث ثورة في صناعة الأدوية

حرر : صفاء كوثر بوعريسة | صحفية
8 أغسطس 2026

قد يؤدي خطأ بسيط في المختبر إلى إحداث تحول كبير في الكيمياء الدوائية، فقد طوّر باحثون من جامعة كامبريدج طريقة جديدة تتيح تعديل الجزيئات الدوائية باستخدام ضوء أزرق بسيط، من دون الحاجة إلى معادن ثقيلة أو مواد كيميائية قاسية. ونُشرت هذه الدراسة في مجلة Nature، لتفتح الباب أمام تصنيع أدوية أسرع وأقل تكلفة وأكثر احترامًا للبيئة.

غالبًا ما تنشأ الاكتشافات العلمية الكبرى من أحداث غير متوقعة، ففي أثناء تنفيذ تفاعل ضوئي محفَّز تقليدي، حذف الباحثون البريطانيون، عن طريق الخطأ، محفزًا كان يُعتبر ضروريًا لإتمام التفاعل. لكن المفاجأة كانت أن التفاعل الكيميائي استمر بصورة طبيعية، بل حقق في بعض الحالات مردودًا أعلى من ذلك الذي تحققه الطريقة التقليدية.

وبدلًا من تجاهل هذه النتيجة غير المتوقعة، واصل الفريق أبحاثه، وتمكن من تحديد آلية كيميائية جديدة أطلق عليها اسم Alkylation anti-Friedel-Crafts، وهي آلية قادرة على تعديل بعض الجزيئات في ظروف أكثر اعتدالًا بكثير مقارنة بالطرق التقليدية.

تعتمد هذه التقنية على مبدأ مبتكر، فعند تعريض مركب كيميائي لضوء صادر عن مصباح LED  أزرق بطول موجي يبلغ 447  نانومتر، يمتص المركب الطاقة الضوئية ويُطلق تفاعلًا يسمح بتكوين روابط كربونية جديدة، وعلى عكس التفاعلات التقليدية لا تتطلب هذه التقنية:

  • معادن انتقالية؛
  • أحماضًا أكّالة؛
  • محفزًا ضوئيًا خارجيًا.

ويُجرى التفاعل في درجة حرارة الغرفة باستخدام كواشف متوافرة بسهولة، مما يُبسط تنفيذه بشكل كبير مع الحفاظ على كفاءة عالية، وقد حقق الباحثون مردودًا وصل إلى 88%، مما يثبت متانة هذه المقاربة الجديدة.

استعان العلماء أيضًا بالذكاء الاصطناعي لفهم آلية التفاعل وتحسينها، وبفضل نماذج حسابية متقدمة وتقنيات التعلم الآلي، تمكن الذكاء الاصطناعي من التنبؤ الصحيح بموقع حدوث التفاعل في 28  حالة من أصل 30 أي بدقة تقارب 93% ، ويسهم هذا الدعم في تسريع تطوير جزيئات جديدة مع تقليل عدد التجارب المخبرية اللازمة.

تتمثل إحدى أبرز مزايا هذه التقنية في قدرتها على تعديل الجزيئات التي تم تصنيعها مسبقًا، من دون الحاجة إلى إعادة بناء بنيتها الكيميائية بالكامل، وقد اختبر الباحثون هذه الطريقة على عدد من المركبات المعروفة من بينها:

  • نيفيرابين (Nevirapine)، المستخدم في علاج فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)؛
  • بوسكاليد (Boscalid)، وهو مبيد فطري؛
  • ميتيرابون (Metyrapone)، المستخدم في بعض الفحوصات والاستقصاءات الخاصة بالغدد الصماء.

وتراوحت نسب المردود بين 77% و88%، حتى في التجارب التي أُجريت على مستوى الغرام، مما يؤكد الإمكانات الصناعية لهذه التقنية.

إلى جانب أدائها العالي تتماشى هذه الطريقة مع أهداف الكيمياء المستدامة، فمن خلال الاستغناء عن المحفزات المعدنية والمؤكسدات القوية وعدد من مراحل التخليق الكيميائي فإنها تتيح:

  • تقليل استهلاك الطاقة؛
  • الحد من إنتاج النفايات الكيميائية؛
  • خفض استخدام المواد التي قد تكون سامة؛
  • تبسيط تصنيع الجزيئات العلاجية الجديدة.

وقد أتاحت شراكة مع أحد المختبرات الدوائية تقييم مدى توافق هذه التقنية مع متطلبات الإنتاج الصناعي.

على الرغم من النتائج الواعدة للغاية فإن هذه الطريقة لا تزال في الوقت الحالي ابتكارًا مخبريًا، وستكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتقييم إمكانية تطبيقها على نطاق واسع، ومدى توافقها مع عدد أكبر من الجزيئات ذات الأهمية الدوائية، وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج فقد تسهم هذه المقاربة في تسريع تطوير أدوية المستقبل، مع جعل تصنيعها أكثر أمانًا، وأقل تكلفة، وأكثر احترامًا للبيئة.

يقتصر هذا الاكتشاف على طرق تصنيع الأدوية، ولا يغيّر العلاجات المتاحة حاليًا للمرضى، وقبل اعتماد هذه التقنية على نطاق صناعي واسع، ينبغي التحقق من فعاليتها على العديد من فئات الجزيئات المختلفة، واستيفائها للمتطلبات التنظيمية الدولية.

يتم تصنيع نحو 90%  من الأدوية من خلال تفاعلات تتيح تكوين الروابط الكربونية أو تعديلها، ولذلك فإن أي ابتكار يُبسّط هذه المراحل يمكن أن يساهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتسريع الأبحاث الدوائية، وتعزيز تطوير كيمياء أكثر استدامة.

الكلمات المفتاحية: الأدوية، الكيمياء، الصناعات الدوائية، جامعة كامبريدج، الضوء الأزرق، LED، التحفيز الضوئي ، المعادن الثقيلة، الذكاء الاصطناعي، التخليق الكيميائي، الابتكار الطبي، الكيمياء الخضراء، البحث العلمي.

اقرأ أيضاً: