صحة جيدة لحياة أفضل

دراسة: الأشقاء الأكبر يزيدون خطر نقل الفيروسات لإخوتهم الأصغر  

حرر : د. عماد بوعريسة | دكتور في الطب
14 يوليو 2026

غالبًا ما يكون الطفل الأكبر في الأسرة هو من ينقل العدوى التي يلتقطها من الحضانة أو المدرسة إلى المنزل. ووفقًا لدراسة دنماركية واسعة النطاق فإن هذا التعرض المبكر قد يزيد من خطر دخول الأطفال الأصغر سنًا إلى المستشفى، وقد يؤثر في صحتهم، ومسارهم الدراسي، وحتى مستوى دخلهم عند بلوغهم سن الرشد.

وغالبًا ما يؤدي الأطفال الأكبر سنًا في الأسرة دورًا وقائيًا تجاه إخوتهم الأصغر، إلا أنهم قد ينقلون إليهم دون قصد، إرثًا آخر يتمثل في الفيروسات التي يلتقطونها من الحضانة أو المدرسة، وهذا ما خلصت إليه دراسة واسعة نُشرت في 7  جويلية 2026 في مجلة الجمعية الأمريكية للاقتصاد. وأظهر الباحثون أن الأطفال المولودين في المرتبة الثانية أو الثالثة داخل الأسرة يكونون أكثر عرضة للإصابة بعدوى الجهاز التنفسي خلال عامهم الأول من الحياة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن أشقاءهم الأكبر سنًا يجلبون الفيروسات إلى المنزل، ولا تقتصر آثار هذه العدوى المبكرة على مرحلة الطفولة، إذ يشير الباحثون إلى أن التعرض للفيروسات في الأشهر الأولى من الحياة قد يترك آثارًا طويلة الأمد على الصحة، والتحصيل الدراسي، وحتى الوضع الاقتصادي في مرحلة البلوغ.

للوصول إلى هذه النتائج حلّل الباحثون السجلات الإدارية في الدنمارك على مدى 36 عامًا، وشملت الدراسة أكثر من 1.2  مليون طفل، ما يجعلها واحدة من أكبر الدراسات التي تناولت تأثير ترتيب الميلاد داخل الأسرة على الصحة، وقارن العلماء مخاطر دخول المستشفى بين الأطفال البكر وبين أشقائهم المولودين لاحقًا، مع مراعاة العديد من العوامل الأسرية والبيئية.

وأظهرت النتائج أن الأطفال المولودين في المرتبة الثانية والثالثة يدخلون المستشفى بوتيرة أعلى خلال عامهم الأول من العمر، وكانت عدوى الجهاز التنفسي السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع في خطر الاستشفاء، ووفقًا للباحثين فإن التفسير بسيط إذ يرتاد الأطفال الأكبر سنًا الحضانة أو مراكز رعاية الأطفال أو المدرسة، وهي أماكن تنتشر فيها الفيروسات التنفسية بكثافة، خاصة خلال فصلي الخريف والشتاء، وعند عودتهم إلى المنزل قد ينقلون هذه العوامل الممرضة إلى إخوتهم الرضع، الذين لا يزال جهازهم المناعي في طور النمو، ويكون هذا الخطر أكثر وضوحًا عندما:

  • يكون الفارق العمري بين الأطفال صغيرًا.
  • يرتاد الطفل الأكبر مؤسسة للرعاية الجماعية أو الحضانة.
  • يتعرض الرضيع للفيروسات منذ أشهره الأولى.

خلال السنة الأولى من الحياة يواصل الجهاز المناعي للرضيع تطوره ونضجه، ورغم أن الأجسام المضادة التي تنتقل إليه أثناء الحمل وكذلك عبر الرضاعة الطبيعية عندما تكون ممكنة، توفر له حماية مهمة، فإن الرضع يظلون أكثر حساسية للإصابة بالعدوى الفيروسية، ويؤكد المتخصصون أن بعض أمراض الجهاز التنفسي مثل التهاب القصيبات الهوائية، والإنفلونزا، وبعض العدوى الفيروسية التنفسية الأخرى، قد تؤدي إلى مضاعفات تستدعي دخول المستشفى لدى الأطفال الصغار.

كما لاحظ الباحثون أن التأثيرات السلبية كانت أقل لدى الأطفال الذين استمرت رضاعتهم الطبيعية لفترة أطول، ويعود ذلك إلى أن حليب الأم يحتوي على أجسام مضادة، وعوامل مناعية، والعديد من المركبات البيولوجية التي تساعد في حماية الرضيع من العدوى.

أكثر ما أثار اهتمام الباحثين في هذه الدراسة هو النتائج التي ظهرت بعد مرور عقود على التعرض المبكر للعدوى، فقد وجدوا أن التعرض المكثف لعدوى الجهاز التنفسي خلال الأشهر الأولى من الحياة ارتبط بـ:

  • انخفاض طفيف في مستوى الدخل عند البلوغ.
  • تراجع احتمال الحصول على شهادة من التعليم العالي.
  • زيادة خطر الإصابة بأمراض تنفسية مزمنة.
  • ارتفاع معدلات اضطرابات الصحة النفسية.

وبحسب تحليلاتهم فإن متوسط دخل الأطفال الأصغر الذين تعرضوا بكثرة للعدوى المبكرة يقل بحوالي 0.8%  مقارنة بإخوتهم الأكبر.

يشدد الباحثون على ضرورة توخي الحذر عند تفسير النتائج، فهم يرجحون أن العدوى الشديدة خلال الأشهر الأولى من الحياة قد تؤثر في بعض مراحل نمو الدماغ، وهي فترة شديدة الحساسية في التطور العصبي، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن الدراسة رصدية، أي إنها تكشف عن وجود ارتباط بين الظاهرتين ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، كما قد تكون هناك عوامل أخرى تؤثر في النتائج منها:

  • اختلاف مستوى اهتمام الوالدين بكل طفل.
  • الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة.
  • جودة الرعاية والمتابعة الطبية.
  • ظروف المعيشة.
  • البيئة الأسرية.

ويقر الباحثون بأن هذه العوامل قد يكون لها أيضًا تأثير في التحصيل الدراسي، والصحة، والنجاح المهني.

يؤكد المتخصصون أن نتائج الدراسة لا ينبغي أن تدفع الأسر خاصة الكبيرة منها إلى الشعور بالذنب، فالإصابة بعدوى الجهاز التنفسي لدى الأطفال الصغار أمر شائع للغاية، وتمثل جزءً طبيعيًا من تطور الجهاز المناعي، بل على العكس فقد أظهرت دراسات عديدة أن النمو مع وجود إخوة وأخوات يوفر فوائد متعددة منها:

  • تحسين مهارات التفاعل الاجتماعي.
  • تعزيز النمو العاطفي.
  • تعلم المشاركة والتعاون.
  • انخفاض خطر الإصابة ببعض أنواع الحساسية، وفقًا لبعض الدراسات.

وتهدف هذه الدراسة أساسًا إلى فهم العوامل المبكرة التي قد تؤثر في الصحة على امتداد مراحل الحياة.

رغم أنه من المستحيل منع جميع العدوى التي تصيب الأطفال، فإن بعض الإجراءات تساعد في تقليل انتشارها داخل الأسرة، وينصح الأطباء بما يلي:

  • غسل اليدين بانتظام، خاصة بعد العودة من المدرسة أو الحضانة.
  • تعليم الأطفال السعال أو العطس في ثنية المرفق.
  • تهوية غرف المنزل يوميًا.
  • تنظيف الأشياء كثيرة الاستخدام بشكل منتظم.
  • تجنب الاقتراب من الرضيع إذا كان أحد الأطفال يعاني من الحمى أو أعراض تنفسية.
  • مواصلة الرضاعة الطبيعية متى أمكن، وفقًا للتوصيات الطبية.
  • الحرص على تحديث لقاحات الأطفال وأفراد الأسرة للحد من خطر بعض العدوى الخطيرة.

وفي حال ظهور صعوبة في التنفس أو ارتفاع شديد في الحرارة، أو رفض الرضيع الرضاعة أو شرب السوائل، أو ظهور علامات الضائقة لديه، يجب مراجعة الطبيب بسرعة.

تسلط هذه الدراسة الواسعة الضوء على أهمية التعرض المبكر للعدوى في تشكيل الصحة المستقبلية، ورغم أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال دراسات أخرى، فإنها تذكر بأن الأشهر الأولى من الحياة تمثل مرحلة شديدة الحساسية، ويأمل الباحثون في فهم الآليات البيولوجية التي تربط بين العدوى المبكرة، ونمو الدماغ، وصحة الجهاز التنفسي، والمسار الحياتي للفرد، بما يتيح تطوير استراتيجيات جديدة للوقاية.

الكلمات المفتاحية: الأشقاء، الإخوة، الأخت، الأخ الأكبر، الأخ الأصغر، عدوى الجهاز التنفسي، الرضيع، الجهاز المناعي، الرضاعة الطبيعية، صحة الأطفال، الاستشفاء، نمو الدماغ، النجاح الدراسي، الدخل، دراسة دنماركية، الصحة العامة، الوقاية.

اقرأ أيضاً: