صحة جيدة لحياة أفضل

كرة القدم: ما الذي تفعله المباراة فعلا بجسمك؟ العلم يجيب

حرر : د. عماد بوعريسة | دكتور في الطب
9 يوليو 2026

لا تُحسم البطولات الكبرى لكرة القدم على أرض الملعب فحسب بل تُعاش أيضًا داخل أجسام المشجعين. فمع تسارع نبضات القلب واندفاع الأدرينالين والتعرق والصراخ وتوتر العضلات… تُحدث المباراة الحاسمة سواء أمام شاشة التلفاز أو في المدرجات، تفاعلات فسيولوجية حقيقية، قد تُشبه في بعض الأحيان تلك التي يسببها التوتر الشديد.

ويسعى باحثون من جامعة بيليفيلد في ألمانيا اليوم إلى قياس هذه التأثيرات بدقة خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم، ويتمثل هدفهم في فهم كيفية تأثير المشاعر التي يعيشها المشجع أثناء المباراة في وظائف القلب، والتنفس، والنوم، ومستوى التوتر.

بالنسبة إلى الدماغ لا تُعد المباراة الحاسمة مجرد وسيلة للترفيه، فعندما يكون الشخص مشجعًا متحمسًا لفريق معين فإن كل لقطة مهمة تُفسَّر على أنها حدث شخصي، وسواء تعلق الأمر بهدف أو ركلة جزاء، أو فرصة ضائعة أو ركلات الترجيح، فإن ذلك يُنشّط الدوائر الدماغية المسؤولة عن المشاعر، والمكافأة، والانتباه، ويؤدي هذا التنشيط إلى إطلاق ما يُعرف باستجابة “الكر أو الفر”، التي يتحكم فيها الجهاز العصبي الودي.

وخلال ثوانٍ معدودة يفرز الجسم عدة هرمونات أبرزها:

  • الأدرينالين.
  • النورأدرينالين.
  • الكورتيزول، وهو الهرمون الرئيسي المسؤول عن التوتر.

وبذلك يستعد الجسم كما لو أنه يواجه خطرًا حقيقيًا، رغم أن المشجع يجلس براحة أمام شاشة التلفزيون أو في مدرجات الملعب.

يُعد القلب من أول الأعضاء التي تستجيب لهذه التغيرات، فبفعل الأدرينالين:

  • يرتفع معدل ضربات القلب.
  • يرتفع ضغط الدم بصورة مؤقتة.
  • يصبح التنفس أسرع.
  • تتلقى العضلات كمية أكبر من الدم.

وفي دراسة سابقة أجراها الباحثون الألمان على 229  مشجعا لنادي DSC Arminia Bielefeld، كانت النتائج لافتة، وباستخدام ساعات ذكية لاحظ الباحثون أن:

  • المشجعين الذين تابعوا المباراة عبر التلفزيون بلغ متوسط معدل نبضاتهم نحو 74  نبضة في الدقيقة.
  • أما الحاضرون في الملعب فبلغ متوسط معدل نبضاتهم 94  نبضة في الدقيقة.

وبعد كل هدف ارتفع معدل ضربات القلب بنحو 36%  إضافية.

وقد نُشرت هذه النتائج في المجلة العلمية Scientific Reports، وأظهرت أن أجواء الملعب تُضاعف بشكل كبير شدة التفاعلات العاطفية.

كما كشفت الدراسة أيضًا عن ظاهرة مدهشة، إذ يبدأ التوتر قبل انطلاق المباراة بعدة ساعات، فقد لاحظ الباحثون ارتفاعًا تدريجيًا في مؤشرات التوتر قبل نحو 14  ساعة من صافرة البداية، ويعكس هذا الترقب مدى الأهمية العاطفية التي يمنحها الدماغ لهذا الحدث، إذ يبدأ في تعبئة موارده قبل بدء المباراة بوقت طويل، ولدى بعض المشجعين قد يؤثر هذا الانتظار في:

  • النوم خلال الليلة السابقة.
  • التركيز.
  • الشهية.
  • المزاج.

لمواصلة أبحاثهم خلال بطولة كأس العالم، اعتمد الباحثون على التقنيات الحديثة، ويرتدي المشاركون ساعة ذكية من نوع Garmin  قادرة على تسجيل عدة مؤشرات فسيولوجية منها:

  • معدل ضربات القلب.
  • معدل التنفس.
  • مستوى التوتر التقديري.
  • جودة النوم.
  • مستوى النشاط البدني.

وتسمح هذه البيانات بمراقبة استجابات المشجعين في بيئتهم الطبيعية، وهو أمر يصعب تحقيقه داخل المختبر، ورغم أن هذه الأجهزة أقل دقة من المعدات الطبية المتخصصة، فإن استخدامها لدى عدد كبير من المشاركين يوفر معلومات قيّمة للغاية حول الاستجابات العاطفية في الحياة اليومية.

لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على كرة القدم وحدها، بل تساعد أيضًا في فهم كيفية عمل الدماغ عند مواجهة المشاعر الجماعية، فالفعاليات الرياضية تُعد مختبرًا طبيعيًا فريدًا، ففي الوقت نفسه يعيش ملايين الأشخاص:

  • الأحداث نفسها.
  • حالة عدم اليقين نفسها.
  • مشاعر الفرح نفسها.
  • خيبات الأمل نفسها.

ويُعد هذا التزامن العاطفي نادرًا جدًا في الحياة اليومية، ما يمنح الباحثين فرصة استثنائية لدراسة آثار التوتر الحاد.

بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأشخاص الأصحاء تبقى هذه الاستجابات طبيعية ومؤقتة، فعادة ما يعود معدل ضربات القلب تدريجيًا إلى مستواه الطبيعي بعد انتهاء المباراة، لكن لدى الأشخاص الذين يعانون مسبقًا من أمراض القلب والأوعية الدموية، أو ارتفاع ضغط الدم، أو لديهم تاريخ مرضي قلبي، قد يؤدي التوتر العاطفي الشديد أحيانًا إلى زيادة احتمال حدوث مضاعفات قلبية وعائية.

وقد أظهرت عدة دراسات ارتفاع عدد حالات الاستشفاء بسبب احتشاء عضلة القلب أو اضطرابات نظم القلب أثناء البطولات الرياضية شديدة التوتر، خصوصًا عقب المباريات ذات الأهمية الكبيرة، ومع ذلك يبقى هذا الخطر منخفضًا على المستوى الفردي.

لا يتفاعل الدماغ مع أحداث المباراة وحدها بل تلعب الأجواء المحيطة دورًا أساسيًا أيضًا، فداخل الملعب تُعزز عدة عوامل المشاعر منها:

  • هتافات المشجعين.
  • الضجيج المستمر.
  • ردود فعل الجماهير.
  • الاحتفالات الجماعية.
  • القرب من اللاعبين.
  • تأثير المجموعة.

وتُظهر أبحاث علوم الأعصاب أن المشاعر معدية إلى حد ما، فمشاهدة آلاف الأشخاص وهم يحتفلون أو يشعرون بالقلق تُضاعف الاستجابات الفسيولوجية لدى كل فرد.

ليس الهدف بالطبع التخلي عن متعة الرياضة، لكن يمكن لبعض الاحتياطات أن تحد من آثار التوتر ومنها:

  • تجنب الإفراط في تناول الكحول أثناء المباراة.
  • الحفاظ على ترطيب الجسم، خاصة في الطقس الحار.
  • تجنب التدخين، لأنه يزيد أيضًا من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
  • ممارسة نشاط بدني منتظم خارج أوقات المنافسات.
  • الالتزام بالعلاج في حال الإصابة بمرض قلبي.
  • مراجعة الطبيب أو طلب الإسعاف سريعًا عند الشعور بألم في الصدر، أو ضيق شديد في التنفس، أو الإغماء.

ويجب على الأشخاص الذين سبق أن تعرضوا لاحتشاء عضلة القلب أو يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية توخي الحذر بشكل خاص خلال الأحداث الرياضية شديدة التوتر.

إذا كنت من عشاق كرة القدم:

  • احرص على ممارسة نشاط بدني منتظم بدل الاكتفاء بالمشاهدة.
  • اختر غذاءً متوازنًا خلال أمسيات المباريات.
  • قلل من المشروبات الكحولية والأطعمة الغنية بالملح.
  • احصل على قسط كافٍ من النوم قبل البطولات الكبرى وبعدها.
  • تعرّف إلى علامات الطوارئ القلبية، مثل ألم الصدر، أو الشعور بالضغط في الصدر، أو ضيق التنفس، أو التعرق البارد، أو الغثيان، أو الإغماء، إذ تستوجب هذه الأعراض الاتصال بالإسعاف فورًا.

تُحدث البطولات الكبرى لكرة القدم تفاعلات فسيولوجية حقيقية داخل الجسم، فقد يرتفع معدل ضربات القلب ويتسارع التنفس وتزداد هرمونات التوتر بصورة ملحوظة، خاصة داخل الملاعب حيث تبلغ المشاعر ذروتها.

وبفضل الساعات الذكية أصبح لدى الباحثين اليوم أداة جديدة لفهم هذه التفاعلات في ظروف الحياة الواقعية، وقد تسهم هذه الدراسات مستقبلًا في تحسين فهم العلاقة بين المشاعر، والتوتر، وصحة القلب والأوعية الدموية.

لا تقتصر التأثيرات القوية على المشاعر السلبية فقط فالمشاعر الإيجابية تُحفّز القلب أيضًا بشكل كبير، فعندما يسجل الفريق هدفًا حاسمًا، يُفرز الدماغ الدوبامين المرتبط بالإحساس بالمتعة والمكافأة، إضافة إلى الإندورفينات التي تُعرف غالبًا باسم هرمونات السعادة” ، ويفسر هذا المزيج الشعور بالنشوة الذي ينتاب الكثير من المشجعين بعد الفوز، كما يوضح لماذا تُعزز الفعاليات الرياضية الجماعية الشعور بالانتماء وتقوية التماسك الاجتماعي.

الكلمات المفتاحية: كرة القدم، كأس العالم، المشجعون، التوتر، معدل ضربات القلب، خفقان القلب، الأدرينالين، الكورتيزول، المشاعر، الساعة الذكية، صحة القلب والأوعية الدموية

اقرأ أيضاً: