المواد الدهنية، الذاكرة والخرف: ماذا يقول العلم فعلا ؟

يعد الجبن من الاغذية الرمزية في التراث الغذائي، وغالبا ما يرتبط بالمتعة والمذاق. لكن هل يمكن ان يكون له دور ايضا في صحة الدماغ؟ دراسة حديثة تعيد فتح النقاش وتكسر بعض الافكار السائدة حول الدهون والدماغ.
الجبن والدماغ: علاقة تثير الاهتمام
بحسب دراسة نشرت في مجلة Neurology، فان الاستهلاك المرتفع للجبن والقشدة الغنية بالمواد الدهنية قد يكون مرتبطا بانخفاض خطر الاصابة بالخرف. غير ان الباحثين يشددون على نقطة اساسية: الامر يتعلق بعلاقة احصائية، وليس دليلا قاطعا على السببية.
توضح “ايميلي سونيستدت” الباحثة بجامعة لوند في السويد: “على مدى عقود، كانت التوصيات الغذائية تضع الانظمة الغنية بالدهون في مواجهة تلك الفقيرة بها، الى حد اعتبار الجبن غذاء ينبغي الحد منه فنتائجنا تشير الى ان بعض منتجات الالبان الغنية بالدهون قد يكون لها، على العكس أثر وقائي على صحة الدماغ.”
دراسة سكانية واسعة
للوصول الى هذه النتائج حلل الباحثون معطيات 27670 شخصا يقيمون في السويد، بمتوسط عمر 58 سنة عند بداية المتابعة. وقد قدم جميع المشاركين تفاصيل دقيقة عن نظامهم الغذائي لمدة اسبوع، بما في ذلك وتيرة استهلاك الجبن. وخلال فترة الدراسة اصيب 3208 مشاركين بالخرف، ليتم بعد ذلك مقارنة العادات الغذائية بين المصابين وغير المصابين.
نتائج مختلفة حسب نوع المنتجات
اظهرت النتائج فروقا لافتة فبين المشاركين الذين يستهلكون كميات اكبر من الجبن الغني بالدهون، اصيب 10 بالمئة بالخرف، مقابل 13 بالمئة فقط لدى من يستهلكونه بكميات قليلة. وبشكل ادق، سجل محبو الجبن الغني بالدهون:
- انخفاضا في خطر الاصابة بالخرف الوعائي بنسبة 29 بالمئة؛
- انخفاضا في خطر الاصابة بمرض الزهايمر، لكن فقط لدى الاشخاص الذين لا يحملون المتغير الجيني APOE E4 المعروف بزيادة خطر هذا المرض.
في المقابل، لم تلاحظ اي علاقة وقائية مع:
- الاجبان قليلة الدسم،
- القشدة قليلة الدسم،
- الحليب سواء كان غنيا او فقيرا بالدهون،
- الزبدة،
- ولا منتجات الحليب المخمرة مثل الزبادي، الكفير او اللبن الرائب.
لماذا قد تلعب الدهون دورا؟
لا تزال الاليات الدقيقة غير واضحة. ويطرح الباحثون عدة فرضيات منها ان الاجبان الغنية بالدهون تحتوي على احماض دهنية خاصة، وفيتامينات ذائبة في الدهون A وD وK، ومركبات نشطة حيويا قد تؤثر في الالتهابات، وصحة الاوعية الدموية، والتمثيل الغذائي للدماغ.
وبما ان الخرف الوعائي مرتبط ارتباطا وثيقا بحالة الاوعية الدموية، فان تحسين صحة القلب والاوعية قد ينعكس بشكل غير مباشر ايجابا على الدماغ.
توصيات طبية: الحذر والتوازن
لا تعني هذه النتائج الدعوة الى الافراط في استهلاك الجبن. اذ يذكر الخبراء بان الجبن غذاء غني بالسعرات الحرارية والملح والدهون المشبعة. ولا تزال التوصيات الحالية دون تغيير وتشمل:
- اعتماد نظام غذائي متنوع ومتوازن؛
- استهلاك الجبن باعتدال، ضمن نظام غذائي قريب من النمط المتوسطي؛
- الجمع بين منتجات الالبان والاستهلاك المرتفع للفواكه والخضر والحبوب الكاملة والاسماك؛
- المحافظة على نشاط بدني منتظم، كعامل اساسي للوقاية من الامراض العصبية التنكسية.
اما الاشخاص المعرضون لمخاطر قلبية وعائية او الذين يعانون من ارتفاع الكوليسترول، فينصحون باستشارة طبية او غذائية مسبقا.
خلاصة
تفتح هذه الدراسة افاقا جديدة للتفكير في دور المواد الدهنية في صحة الدماغ، وتدعو الى تجاوز الخطابات المبسطة التي تقسم الدهون الى “جيدة” و”سيئة”. فالجبن عند استهلاكه بحكمة قد يندرج ضمن مقاربة شاملة للوقاية، دون ان يحل ابدا محل الركائز المعروفة لصحة الدماغ: تغذية متوازنة، تحفيز ذهني، نشاط بدني، ومتابعة طبية منتظمة.
مرة اخرى تذكرنا العلوم بان التغذية مسألة توازن ودقة، أكثر منها قائمة محظورات.
الكلمات المفتاحية: الجبن؛ الصحة؛ البروتين؛ الدماغ؛ الخرف؛ الزهايمر؛ الادراك.
إقرأ أيضاً: