
قدّم وزير الصحة الأمريكي ” روبرت كينيدي جونيور” مادة الليوكوفورين، وهي شكل نشط من فيتامين ب9، مؤخرًا في البيت الأبيض على أنها علاج واعد للأطفال المصابين بالتوحد، فيما تكمن المشكلة في عدم وجود أي دلائل علمية قوية تؤكد هذه الادعاءات.
إعلان سياسي يثير قلق المجتمع الطبي
وقالت الدكتورة “كريستين سول” خبيرة اضطرابات طيف التوحد في جامعة ميسوري بحذر: «لا نعرف لمن من المفترض أن يكون هذا الدواء فعالًا، ولا نعلم إن كان آمنًا، ولا ما هي الجرعة المناسبة».
وقد أثار هذا الإعلان موجة قلق بين المختصين، خاصة بعد أن أعاد الرئيس “دونالد ترامب” طرح نظرية غير مؤكدة، مفادها أن تناول الباراسيتامول أثناء الحمل يسبب التوحد وهي فرضية رفضها المجتمع العلمي بالكامل.
جزيء مفيد لكن ليس للتوحد
الليوكوفورين (أو حمض الفولينك) ليس منتجًا جديدًا، فقد طوّرته شركة GSK ويُدرج على قائمة الأدوية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية. يستخدم منذ فترة طويلة لتقليل سمية العلاج الكيميائي ومعالجة داء المقوسات الخلقي.
ويعتمد استخدامه في التوحد على أبحاث مثيرة للجدل للدكتور ”ريتشارد فراي” طبيب أعصاب الأطفال الأمريكي، الذي افترض أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد لديهم خلل في تحويل حمض الفوليك إلى حمض الفولينك، مما قد يؤثر على بعض وظائف الدماغ.
لكن أبحاثه تفتقر إلى الصرامة فقد أُجريت على عينات صغيرة من الأطفال دون تحقق مستقل، كما أن له براءة اختراع مرتبطة بالاستخدام التشخيصي للليوكوفورين، ما يثير تضارب مصالح واضح.
إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) توضح: «ليس علاجًا للتوحد»
ردًا على الضجة الإعلامية أوضحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن الليوكوفورين يخضع لإجراءات ترخيص، لكنها فقط لعلاج حالة وراثية نادرة، وهي نقص الفولات الدماغي، والتي قد تشبه أعراضها التوحدية. وأكدت الوكالة: «هذا الدواء ليس علاجًا للتوحد، وهناك حاجة لدراسات إضافية لتقييم سلامته وفعاليته».
المختصون ينتقدون الانحراف السياسي والعلمي
يرى الباحثون أن الترويج لدواء دون بيانات قوية يمثل علمًا شعبويًا أكثر منه ممارسة قائمة على الأدلة. وقال عدة خبراء: «مستوى الدليل ضعيف جدًا، ولا يوجد سبب لجعل هذا مسارًا للسياسة العامة».
كما أن عدد التجارب السريرية على الليوكوفورين في التوحد قليل جدًا، إذ شمل عدد محدود من الأطفال مقارنةً بما يقارب 400 دراسة سريرية تُجرى عالميًا حول اضطرابات طيف التوحد.
موجة طلبات الوالدين وتحديات الأطباء
منذ الإعلان لاحظ أطباء الأطفال الأمريكيون زيادة كبيرة في طلبات وصف الليوكوفورين من الآباء والأمهات، على أمل تحسين القدرات الاجتماعية واللغوية لأطفالهم بسرعة.
وفي مواجهة هذا الواقع أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال توصية بعدم استخدام الليوكوفورين بشكل روتيني للأطفال المصابين بالتوحد، بسبب نقص الأدلة حول فعاليته ومخاطره المحتملة. وأوضحت الدكتورة “سول”: «إذا ساعد هذا الدواء بعض الأطفال، فذلك جيد، لكننا لا نريد وصف أي شيء لمجرد نقص البدائل».
توصيات طبية واحتياطات
يؤكد الخبراء على مبادئ أساسية:
- لا يوجد دواء يشفي التوحد، والعلاج يعتمد على متابعة متعددة التخصصات: علاج النطق، العلاج السلوكي، والدعم التعليمي والأُسَري.
- يجب أن يتم أي علاج تحت إشراف طبي، وأن تخضع الوصفات التجريبية، خاصة خارج الترخيص، لموافقة مستنيرة من الآباء.
- توخي الحذر من “العلاجات المعجزة”، فقد تكون غير فعالة أو مكلفة أو خطيرة، وتؤخر العلاج المناسب.
- تبقى المعلومات الشفافة والدقيقة أفضل وسيلة لمواجهة التضليل الطبي.
الحذر مطلوب أمام الانحرافات العلاجية
توضح قضية الليوكوفورين الانحرافات المتكررة بين السياسة والبحث العلمي وتطلعات الأسر، وفي مجال حساس مثل التوحد حيث الأمل في حلول كبير، فإن أي إعلان غير مستند إلى أدلة قد يولد توقعات وهمية وشكوك مستمرة تجاه العلم.
التوحد لا يحتاج إلى وعود فارغة، بل إلى أبحاث قوية ورعاية إنسانية مناسبة.
الكلمات المفتاحية: التوحد؛ العلاج؛ الليوكوفورين؛ ترامب؛ علمي
إقرأ أيضاً: