يقدم النادي العلمي الجامعي “Light” التابع لكلية الطب في وهران منذ أربع سنوات، تكوينًا في لغة الإشارة موجّهًا لطلبة الطب وطب الأسنان، بهدف تمكين الأطباء المستقبليين من التواصل بفعالية مع المرضى الصم أو ضعاف السمع، وهي فئة لا تزال غالبًا مهمّشة في مسار الرعاية الصحية.
مبادرة رائدة في خدمة الإدماج
تقول “عرون فاطمة الزهراء” عضو النادي، خلال مشاركتها في الصالون الدولي الثاني لطب الأسنان MDEX:”هي خطوة إنسانية دامجة تهدف إلى كسر حواجز التواصل بين مقدمي الرعاية والمرضى، وضمان وصول عادل إلى الخدمات الصحية.”
ثقل إعاقة غير مرئية
ولا يقتصر الصمم على فقدان السمع فحسب، بل هو إعاقة غير مرئية تؤدي إلى العزلة الاجتماعية وصعوبات في الوصول إلى التعليم والعمل، فضلًا عن إقصاء صحي صامت. وفي العيادات الطبية يواجه المريض الأصم عقبتين أساسيتين:
- حاجز اللغة الذي يصعّب عليه التعبير عن أعراضه، خاصة الدقيقة منها.
- الاعتماد على وسيط غالبًا ما يكون قريبًا له، مما يمس بسرية المعطيات الطبية ودقة المعلومات.
النتيجة عادة تكون تأخر في التشخيص، وعلاجات غير ملائمة، وتوتر مزمن ينعكس سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية.
حين تصبح اللغة علاجًا
ولا تقوم العلاقة بين الطبيب والمريض على الفحص السريري والوصفات فقط، بل هي تفاعل إنساني محوره التواصل. وقد أظهرت دراسات في علم النفس العصبي أن الفهم المتبادل يقلل القلق ويحسن الالتزام بالعلاج وينشّط دوائر عصبية مرتبطة بالثقة والراحة.
لذا تلعب لغة الإشارة بما تعتمد عليه من تواصل بصري وحركي دورًا محفزًا لهذه العمليات، إذ تتيح إبقاء تواصل مباشر وحميمي، ما يعزز التحالف العلاجي بين الطبيب والمريض.
تكوين منظم ومعتمد
يمتد برنامج نادي Light ثلاثة أشهر ويمنح شهادة معترف بها من الدولة. ويستقبل كل فوج من 30 إلى 40 طالبًا، وقد تم تكوين أربع دفعات منذ إطلاق المبادرة. ويتجاوز التكوين مجرد تعليم لغوي ليشمل:
- أسسًا ثقافية لفهم خصوصيات المجتمع الأصم.
- تقنيات التواصل غير اللفظي لبناء الثقة.
- توعية ببعد الإعاقة السمعية النفسي.
تضيف ”فاطمة الزهراء”:”كثير من الأطباء يشعرون بالعجز أمام مريض أصم، ونريد أن نوفر لهم أدوات ملموسة لبناء علاقة إنسانية تقوم على الاحترام.”
رهان صحي عام
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 430 مليون شخص في العالم يعانون فقدانًا سمعيًا. أما في الجزائر فتقدّر الجمعيات المحلية عدد المتأثرين بمئات الآلاف.
لذلك فإن تكوين مقدمي الرعاية الصحية في لغة الإشارة ليس خيارًا بل ضرورة للصحة العامة، إذ يسهم في تقليص الفجوات في الوصول إلى العلاج والحد من المضاعفات الطبية الناتجة عن سوء التواصل.
الصحة النفسية والقدرات الإدراكية: فائدة غير مرئية لكنها ملموسة
تُظهر دراسات حديثة في علم نفس الصحة أن التهميش الطبي لمرضى الصمم يضاعف مخاطر الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم. وفي المقابل عندما يتواصل مقدمو الرعاية مباشرة بلغة الإشارة يُلاحظ:
- انخفاض التوتر الفسيولوجي مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم.
- تحسن تذكر التعليمات الطبية بفضل التواصل البصري.
- تحفيز إدراكي ناتج عن التفاعل غير اللفظي، يُنشّط مناطق الدماغ الخاصة باللغة والذاكرة والتعرف على الوجوه.
نحو طب شامل وعادل
بإدماج لغة الإشارة في التكوين الطبي، تنضم الجزائر إلى التوصيات الدولية في مجال الصحة الدامجة. وقد تصبح تجربة وهران نموذجًا يُعمم على باقي كليات الطب في البلاد.
فما وراء البعد التقني تحمل هذه الخطوة رسالة قوية مفادها أنه لا يمكن لنظام صحي أن يكون عالميًا ما لم يأخذ في الحسبان تنوع مرضاه.
خاتمة مفتوحة: وماذا بعد؟
يبرهن نجاح هذه المبادرة أنه بالإمكان بناء طب أكثر إنسانية واندماجًا وفاعلية، لكن لضمان أثرها على المستوى الوطني، تبقى خطوة حاسمة من خلال إدماج تكوين لغة الإشارة بشكل رسمي في كل المسارات الصحية.
كما أن جعل لغة الإشارة مهارة إلزامية للأطباء وأطباء الأسنان والممرضين والصيادلة سيضمن لآلاف المرضى الوصول العادل إلى الرعاية الصحية بلا حواجز أو إقصاء.
في وهران فتح الطلبة الطريق، ويبقى على السلطات تحويل هذه المبادرة المحلية إلى سياسة وطنية للصحة الدامجة.
الكلمات المفتاحية: إشارة؛ أطباء؛ مرضى؛ صحة؛ تواصل؛ طب الأسنان؛ إقصاء